آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-09:11ص

التوازن الهش

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 04:44 م
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب


في الحروب الطويلة لا يكون الصمت دليلاً على السلام كما لا تكون أصوات المدافع دليلاً على الحسم.. ما نعيشه اليوم في منطقتنا هو حالة يمكن وصفها بدقة بـالتوازن الهش توازن لا يقوم على الاستقرار الحقيقي بل على عجز الأطراف عن كسر بعضهم بعضًا كسرًا كاملاً..هذا النوع من التوازن لا تصنعه القوة وحدها بل تصنعه حدود القوة..فكل طرف يمتلك من القدرة ما يكفي ليمنع خصمه من التقدم لكنه لا يمتلك ما يكفي لفرض نهاية حاسمة للصراع.. وهكذا تتوقف الجبهات عند خطوط غير مكتوبة..خطوط رسمتها سنوات الاستنزاف أكثر مما رسمتها الخرائط العسكرية..في مثل هذه الحالات..تصبح المعارك التي تندلع هنا و هناك على الحدود أو في الجبهات المفتوحة أقرب إلى رسائل بالنار منها إلى عمليات لتغيير الموازين.. تُطلق القذائف أحيانًا لإثبات الحضور وتُسيَّر الطائرات المسيّرة لتذكير الخصوم بأن أدوات الحرب ما زالت جاهزة..لكن النتيجة النهائية تبقى واحدة: لا تقدم حاسم ولا تراجع كامل..التوازن الهش حالة خطيرة بطبيعتها..لأنه يحمل في داخله احتمالين متناقضين في كل لحظة..فإما أن يتحول إلى مدخلٍ لتسوية سياسية تدرك فيها الأطراف أن الحرب وصلت إلى سقفها..وإما أن ينفجر فجأة عند أول خطأ في الحسابات فتتحول المناوشات المحدودة إلى مواجهة أوسع.

الأخطر في هذا النوع من التوازن أنه يُبقي المجتمعات معلقة بين حربٍ لم تنتهِ و سلام لم يولد بعد..تستمر المعاناة اليومية و تستنزف الموارد و يعتاد الناس على الأزمات حتى تصبح جزءًا من المشهد الطبيعي للحياة..ومع مرور الوقت لا تعود المشكلة في استمرار الحرب وحدها بل في اعتياد الجميع عليها السياسيون والعسكر وحتى الناس الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتكيف مع واقعٍ لا هو حرب كاملة ولا سلام مكتمل.

لهذا فإن التوازن الهش ليس حلاً.. بل مرحلة مؤقتة في مسار الصراعات. مرحلة قد تطول لكنها لا تدوم إلى الأبد. فإما أن تنضج فيها إرادة التسوية..أو تتكسر فيها القيود التي تمنع الانفجار.

و بين هذين الاحتمالين يبقى السؤال مفتوحا..هل يدرك صناع القرار أن الحروب لا تُقاس فقط بما يُكسب في الميدان..بل بما يُخسر من أعمار الشعوب و أحلامها؟..ذلك هو المعنى الحقيقي للتوازن الهش..هدوءٌ يبدو من بعيد استقرارا..لكنه في الحقيقة سكون فوق برميل بارود .