آخر تحديث :الإثنين-09 مارس 2026-12:44م

بين الشعارات والسيادة… لماذا تُثير إيران كل هذا الجدل؟

الإثنين - 09 مارس 2026 - الساعة 02:22 ص
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ اختلطت فيه السياسة بالمشاعر، وأصبحت المواقف تُصاغ أحيانًا بلغة العاطفة أكثر من لغة التحليل، تحولت المواقف من إيران إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الشارع العربي. فبين من يراها دولةً تقف في مواجهة إسرائيل، ومن يعتبرها قوةً إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة، تتشكل حالة من الانقسام الفكري والسياسي تعكس تعقيد المشهد الإقليمي.

هذا الجدل لا يقتصر على النقاشات الشعبية فقط، بل يمتد أيضًا إلى دوائر السياسة وصناعة القرار في العالم العربي. فعلى المستوى الرسمي، تنظر العديد من الحكومات العربية إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية صاعدة تثير القلق، خصوصًا مع حضورها السياسي والعسكري في عدد من ساحات المنطقة، وما يرتبط بذلك من خطاب سياسي يتجاوز أحيانًا الحدود التقليدية التي رسمتها اتفاقيات التاريخ السياسي للمنطقة.

لكن على مستوى الشارع العربي تبدو الصورة مختلفة إلى حدٍ ما. فالكثير من الناس يرون في الخطاب الإيراني المعادي لإسرائيل تعبيرًا عن موقف سياسي يتحدى الهيمنة الغربية، خاصة مع الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، والذي تمثله بشكل واضح سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وقد تعزز هذا الجدل أكثر مع تصاعد الحروب في المنطقة، لا سيما ما يجري في قطاع غزة، حيث ينظر قطاع واسع من الرأي العام العربي إلى دعم إيران لبعض فصائل المقاومة باعتباره موقفًا مختلفًا عن مواقف دول عربية اختارت مسارات التهدئة أو التطبيع.

ومع التصعيد العسكري الأخير، لم يعد الحديث مجرد تحليلات سياسية، بل أصبح واقعًا ميدانيًا على الأرض، مع الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، وما يرافقها من دعم عسكري وسياسي أمريكي واضح. وقد شملت المواجهات الأخيرة أيضًا ضرب قواعد ومصالح أمريكية في بعض دول الخليج، الأمر الذي رفع مستوى التوتر إلى درجة غير مسبوقة، وجعل المنطقة على حافة مواجهة أوسع تتجاوز الحدود التقليدية للنزاعات الإقليمية.

هذا الواقع الجديد جعل الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم يعد الصراع يدار فقط عبر الحروب بالوكالة، بل بدأ يقترب أكثر من المواجهة المباشرة بين أطراف إقليمية ودولية كبرى. ومع كل ضربة جديدة، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة الحرب لتشمل مناطق أخرى في الإقليم.

وتبرز هنا مخاوف متزايدة من أن تمتد تداعيات هذه المواجهة إلى منطقة الخليج بشكل أكبر، حيث قد تجد دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر نفسها في قلب معادلة أمنية معقدة، خاصة في ظل وجود قواعد أمريكية ومصالح اقتصادية عالمية مرتبطة بإمدادات الطاقة. فأي تصعيد عسكري واسع في هذه المنطقة لن يكون مجرد صراع إقليمي محدود، بل قد يتحول إلى أزمة دولية تمس استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بأكمله.

وفي خضم هذا التناقض، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع المنطقة أن تجد طريقًا نحو الاستقرار بعيدًا عن صراع المحاور؟ أم أن الشرق الأوسط سيظل ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية تتصارع على النفوذ؟

المؤكد أن الشعوب العربية لم تعد تبحث عن الشعارات بقدر ما تبحث عن الكرامة والاستقرار ومستقبلٍ أكثر أمانًا. وبين السياسة والواقع، تقف المنطقة اليوم أمام اختبار تاريخي قد يحدد ملامحها لعقودٍ قادمة.