آخر تحديث :السبت-07 مارس 2026-07:14ص

المقدس والسياسة الغربية المقنعة

السبت - 07 مارس 2026 - الساعة 01:21 ص
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في كل مرة تشتعل فيها شرارة صراع دولي، تندفع الآلة الغربية بضجيجها المعهود لتضعنا أمام خيار صفري: إما أن نكون وقوداً لمعاركها، أو خارجين عن "الشرعية الدولية". يطل الغرب من شاشات "الديمقراطية" مرتدياً ثوب الواعظ الذي يبشر بقيم الحرية، بينما تمارس يده الأخرى أبشع صور الاستبداد. لكن المفارقة الصارخة هنا ليست في الفعل القمعي بحد ذاته، بل في تلك الازدواجية التي تسمح للجلاد بتقمص دور الضحية، مدعياً مواجهة "إرهاب مؤدلج"، بينما هو غارق حتى أذنيه في أيديولوجيا إقصائية عابرة للحدود.

ثنائية القناع والحقيقة

إن الحقيقة التي تتجنب النخب مواجهتها هي أن الغرب ليس علمانياً بالقدر الذي يروج له؛ بل هو "علماني في بيته، متدين متطرف خارج حدوده". ففرنسا التي تتشدد في "اللايكية"* داخلياً، تتحول في سياستها الخارجية إلى راعٍ رسمي للمؤسسات الكنسية لتعزيز نفوذها، كما يظهر في لبنان. والولايات المتحدة لم تخرج عن هذا السياق منذ أن استدعى بوش الابن "الروح الصليبية" في غزوه للعراق، وصولاً إلى المشاهد المعاصرة لطقوس دينية تحيط بالرئاسة الأمريكية، تستدعي "نصر الإله" في حروب تُصنف بأنها "مقدسة". إن هذا الاستحضار للمقدس ليس مجرد استعراض عاطفي، بل هو غطاء لمخطط يهدف لهندسة "حروب بالوكالة" تستنزف طاقات الأمة الإسلامية، بشرياً ومادياً، لتقطف القوى الصهيونية والصليبية ثمار هذا التمزق، متناسين قوله تعالى: "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".

تجريم "المقدس" لدى الآخر

في مقابل هذا التجييش الديني الغربي، نجد هجوماً مسعوراً لتجريم أي استحضار للدين في فضاء السياسة الإسلامية. إنهم يدركون أن العلاقة بين الإسلام والدولة هي علاقة عضوية نابعة من صلب العقيدة، ومع ذلك يستميتون لتسويق وهم "حياد المصالح". وتتجلى هذه الفجوة بوضوح في الكيان الصهيوني؛ الذي لم يقم على أسس قانونية، بل على "وعود توراتية" مزعومة ودعم لاهوتي من يمين مسيحي يرى في وجود هذا الكيان شرطاً لخلاصه الغيبي. هذا التحالف لا يسعى لتعايش، بل لفرض واقع الاستسلام على شعوبنا تحت ترهيب السلاح والابتزاز الاقتصادي.

سقوط أسطورة "الذخر الاستراتيجي"

وهنا يبرز سؤال منطقي: هل تكمن مصلحة الغرب مع مليار ونصف المليار مسلم يسيطرون على مفاصل الطاقة والتجارة، أم مع "كيان وظيفي" يمثل استنزافاً دائماً؟

إن لغة الأرقام تفضح زيف سردية "الذخر الاستراتيجي"؛ فبينما تستثمر دولة عربية واحدة ما يفوق 700 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، يظل الكيان الصهيوني عالة يقتات على المليارات السنوية والابتزاز الأخلاقي لأوروبا. إن إصرار الغرب على دعم هذا "الخنجر" في خاصرة الأمة ليس قراراً اقتصادياً بارداً، بل هو نابع من عقيدة يجسدها قادة الاحتلال في حديثهم عن "أرض الميعاد". إنهم يخشون استيقاظ "المارد" الحقيقي، ويفضلون التعامل مع أنظمة تم تدجينها لحماية العروش مقابل رهن مقدرات الشعوب.

الوعي الجديد ورفع الأقنعة

لكن زمن التضليل عبر القنوات العابرة للقارات قد ولى؛ فقد جاء "الإعلام البديل" ليفكك "شيفرة" الازدواجية الغربية. بات المواطن اليوم يرى عيانياً كيف تُصاغ الأكاذيب في غرف الأخبار "المحترمة" لتبرير المجازر. هذا الانكشاف المعلوماتي هو ما يخشاه الغرب حقاً؛ لأنه يعيد بناء الوعي الجمعي، ويؤكد أن المعركة ليست صراع مصالح، بل هي معركة وجود وصراع روايات.

لقد آن الأوان لفهم أن الخصم يخوض معركته بعقيدة "الكتب المقدسة" لا بكتب "الاقتصاد السياسي" فقط. إن الغرب الذي يمنع الحجاب في مدارسه باسم العلمانية، هو نفسه الذي يبارك ذبح الأطفال في فلسطين بمسوغات دينية قديمة. إنها ليست مفارقة، بل هي جوهر سياسته التي ترفضنا إلا كأتباع، وما لم تدرك نخبنا هذه الحقيقة، فسنظل ندور في فلك التبعية التي أرادوها لنا.

*اللايكيه: تعني فصل المؤسسات الدينيه عن مؤسسات الدولة، وهي علمانية أشد صرامة من علمانية الدولة الانجلوسكسونيه