اليوم تطل علينا ذكرى غزوة بدر الكبرى التي حدثت في يوم الجمعة 17 رمضان مما يصادف اليوم والتاريخ ذاته يوم حدوثها.
لم تكن "غزوة بدر الكبرى" مجرد صدام عسكري عابر في صحراء الجزيرة العربية، بل كانت إعلاناً سماوياً عن ميلاد فجر جديد، حيث التقت القلة المؤمنة بالكثرة المشركة، لتُثبت أن موازين الأرض تسقط حين تتدخل إرادة السماء.
معركة القلوب قبل الميدان
إن المتأمل في تفاصيل تلك الموقعة يدرك حقيقة جوهرية؛ وهي أن النصر لا يبدأ من ساحات القتال، بل ينبت أولاً في حنايا القلوب. فبينما كان المشركون يحشدون عدتهم وعتادهم، مدفوعين بالغرور وحب الظهور والحقد الدفين، كان المسلمون يحملون إيماناً يزن الجبال.
لقد نظر الله إلى تلك القلوب، فحين وجدها ممتلئة بتصديق موعوده، منحها مدداً لا تراه العيون البشرية، فأيدهم بألف من الملائكة مردفين. لكن المعجزة لم تكن في القوة العسكرية فحسب، بل في تلك الحالة النفسية العجيبة التي غشيت المؤمنين.
في موازين البشر، يسرق الخوف النوم من الأجفان، ويجعل الإنسان قلقاً يترقب الموت في كل لحظة. ولكن في ميزان رب البشر، حدث ما لا يمكن للعقل المادي تفسيره؛ لقد أنزل الله "النعاس" على المجاهدين قبيل التحام السيوف سكينة في عين العاصفة.
أي طمأنينة تلك التي تجعل المحارب يغفو والسيف في يده؟
يقول بعض الصحابة واصفاً تلك اللحظة: "لقد سقطت السيوف من أيدينا أثناء الإغفاءة ثم التقطناها".
لم يكن ذلك نوماً ناتجاً عن إرهاق، بل كان سكينة ربانية وسكباً للأمن في النفوس، ليدخلوا المعركة بقلوب ثابتة وأقدام راسخة؛ استجابة لقوله تعالى: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (الأنفال: 11).
وعلينا اليوم، في ظل هذه الأوضاع الملتهبة إقليمياً ودولياً، أن نستلهم الدرس الأكبر من "بدر"؛ أن نتجه بقلوبنا إلى الله جل جلاله لا إلى البشر، فالله وحده هو القادر على تغيير موازين الحياة ونصر المؤمنين إذا رأى قلوبهم قد تعلقت به وصدّقت بموعوده ، فمتى ما تجسد النصر في قلوبنا يقيناً بالله، تحقق في ميادين واقعنا نصراً مؤزراً.
إن القوة المادية مهما عظمت تظل قاصرة أمام تدبير الحكيم الخبير، ولا شك أن مع العسر يسراً، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.