في زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً من حياتنا اليومية، يظن البعض أن ما يُكتب على الشاشات مجرد كلمات عابرة، لا وزن لها ولا أثر. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه الكلمات قد تكون أثقل من الجبال على نفوس بعض الناس، وقد تتحول إلى سهام جارحة تخترق القلوب وتدمر الأرواح.
جميل محمد صبر، شاب يمني، فقد حياته بسبب موجة من التعليقات المتنمّرة على ما كان ينشره في فيسبوك. لم يحتمل قسوة الكلمات، ولم يجد في هذا العالم الافتراضي سوى جدارٍ من السخرية والشتائم، حتى انهار وأصبح ضحية جديدة. وهو ليس الأول، بل ثالث يمني يلقى هذا المصير الحزين بسبب التنمر الإلكتروني.
التنمر ليس مجرد "مزحة" أو "تعليق عابر". إنه جريمة أخلاقية ونفسية، قد تقتل بلا سلاح. النفوس البشرية مختلفة؛ هناك من يملك قوةً وصلابة، وهناك من هو رقيق القلب لا يحتمل كلمة جارحة. صاحب المنشور الذي لم يعجبك ربما يعيش هموماً لا يعلمها إلا الله، وربما لجأ إلى مواقع التواصل هروباً من واقعٍ مرّ، يبحث عن متنفس أو عن كلمة طيبة تخفف عنه.
قبل أن تكتب، تذكّر أن الأخلاق هي الميزان. بأي حق تسب أو تشتم أو تلعن؟ الكلمة مسؤولية، وهي إما أن تكون صدقة جارية أو وزراً ثقيلاً. قال رسول الله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت."
فلتكن كلماتنا نوراً لا ناراً، دعماً لا هدماً، رحمةً لا قسوة.
من يطلق لسانه بالسبّ واللعن، هل نسي أن الله يسمع ويرى؟ هل نسي أن الكلمة قد تكون سبباً في هلاك إنسان؟ الخوف من الله تعالى يجب أن يكون رادعاً لكل من يكتب أو يعلّق. والتوكل على الله هو ملاذ كل من يتعرض للأذى، لكن ذلك لا يعفي المجتمع من مسؤوليته في رفع مستوى الخطاب وحماية النفوس من الانهيار من خلال التوعية في المدارس والجوامع والندوات وغيرها.
حادثة جميل صبر يجب أن تكون جرس إنذار لنا جميعاً وهي الجانب السلبي لاستخدام التواصل الاجتماعي إذا لم نتعلم من هذه المأساة، فقد يأتي غداً ضحية أخرى. فلنرفع مستوى خطابنا، ولنزرع في هذا العالم الافتراضي بذور الرحمة والاحترام. دعونا نتذكر أن وراء كل شاشة إنسان، له قلب، له هموم، وله مشاعر.
العالم الافتراضي ليس مجرد فضاء للكتابة والتسلية، بل هو ساحة أخلاقية تُحاسبنا عليها ضمائرنا قبل أن يحاسبنا الله. فلنلتزم بالخلق الكريم، ولنخَف الله في كلماتنا، ولنتوكل عليه في كل أمر، حتى لا نخسر المزيد من الأرواح البريئة.
انا لله وانا اليه راجعون
ولاحولة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم