آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-02:02ص

من معركة الخبر إلى صناعة التأثير

الثلاثاء - 03 مارس 2026 - الساعة 07:24 ص
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب


لم تعد الإشكالية في المشهد الإعلامي اليمني مرتبطة بسرعة نقل الخبر أو وفرة المنصات بل باتت مرتبطة بغياب مشروع مؤسسي قادر على إدارة المعركة الإعلامية باعتبارها عملية إنتاج وتأثير وتخطيط طويل المدى..فالإعلام اليوم لم يعد نشاطًا تواصليًا محدود الوظيفة وإنما أصبح جزءًا مباشرًا من منظومة إدارة الصراع السياسي و بناء الصورة الذهنية للدولة وتوجيه الرأي العام داخليًا و خارجيًا..إن الواقع الإعلامي في اليمن رغم ما يتوافر فيه من طاقات بشرية وخبرات مهنية ما يزال محكومًا ببنية ضعيفة لا تمتلك القدرة على إنتاج محتوى مؤثر و مستدام ولا على الانتقال من منطق التغطية إلى منطق بناء الرواية وإدارتها..و تبقى أغلب الجهود محصورة في نطاق المبادرات الفردية أو المؤسسات الصغيرة التي تفتقر إلى أدوات الإنتاج المتقدم و إلى منظومة تسويق و توزيع وإلى بيئة تدريب وتطوير مهني حقيقية..من هنا تبرز الحاجة العملية إلى شراكة واضحة بين الحكومة اليمنية ورجال المال والأعمال لتأسيس شركة إعلامية وطنية كبرى متخصصة في الإعلام والإنتاج تُبنى منذ لحظة التأسيس على نموذج استثماري مهني و تُدار وفق معايير الحوكمة والاستقلال الإداري و المالي و تعمل ضمن رؤية استراتيجية تستهدف الداخل والخارج في آن واحد..فالتحدي الحقيقي لم يعد في امتلاك منبر بل في امتلاك القدرة على صياغة سردية متماسكة قابلة للتداول إقليميًا و دوليًا و مبنية على محتوى احترافي يراعي اختلاف الجمهور و تنوع وسائط النشر ومنصات البث..و في ظل التحولات العميقة في بنية الإعلام العالمي أصبحت الشركات الإنتاجية الكبرى هي المحرك الرئيسي للمشهد لا غرف الأخبار التقليدية وحدها.

إن الخلل القائم اليوم يتجسد في غياب كيان وطني جامع لصناعة المحتوى قادر على إنتاج الأفلام الوثائقية السياسية و البرامج التحليلية المتخصصة و المحتوى الرقمي الموجه و المواد البصرية ذات المعايير العالية إلى جانب ضعف واضح في أدوات التوزيع الخارجي و التعاقدات الدولية و التسويق الإعلامي الاحترافي.

و المطلوب في هذا السياق ليس إعادة تنظيم المشهد القائم ولا دعم منصات متفرقة بل إنشاء كيان إعلامي استثماري متكامل يضم وحدات إنتاج تلفزيوني و وثائقي و درامي ومنصات رقمية متعددة اللغات و إدارة تسويق و توزيع محتوى وبرامج تدريب و بناء كوادر وطنية وفق معايير مهنية معاصرة..أي أننا أمام مشروع صناعة لا مجرد تطوير مؤسسي محدود..أما رجال المال و الأعمال فإن موقعهم في هذا المشروع ينبغي أن ينتقل من دور الداعم أو الممول إلى دور الشريك المؤسس في بناء قطاع اقتصادي و إعلامي جديد قادر على خلق فرص عمل نوعية وتحريك سوق الإنتاج والخدمات الفنية و فتح مسارات تعاون إقليمي و دولي في مجالات المحتوى والبث المشترك و التوزيع..وفي المقابل فإن مسؤولية الحكومة اليمنية لا تتمثل في إدارة هذا الكيان أو التحكم في سياساته التحريرية بل في توفير الإطار القانوني و التنظيمي الجاذب للاستثمار وضمان استقلال الإدارة المهنية وحماية هذا المشروع من التقلبات السياسية وترسيخ نموذج شراكة يوازن بين متطلبات الدولة و متطلبات السوق.. فالإعلام حين يُدار بعقلية إدارية تقليدية يفقد قدرته على المنافسة و حين يُدار بمعايير الشركات الاحترافية يصبح قادرًا على التوسع و التأثير و الاستمرار..ويظل البعد السيادي لهذا المشروع حاضرًا بقوة لأن امتلاك أدوات إنتاج الخطاب الإعلامي لم يعد مسألة تقنية بل أصبح أحد عناصر إدارة الأمن الوطني والصورة الخارجية للدولة..فالدولة التي لا تمتلك مؤسسات إنتاج إعلامي قوية تبقى في موقع التفاعل مع روايات الآخرين مهما امتلكت من حقائق و مواقف سياسية.

ومن هذا المنطلق فإن اختيار عدن كنقطة انطلاق لهذا المشروع ليس اختيارًا رمزيًا فقط بل اختيار عملي تفرضه طبيعة المدينة وتاريخها الإعلامي والثقافي و موقعها الجغرافي و قدرتها على استقطاب الكفاءات و الانفتاح على المحيط الإقليمي..إن اللحظة الحالية تفرض الانتقال من إدارة الإعلام بمنطق المعالجة اليومية إلى بناء قطاع إنتاج إعلامي وطني متكامل قادر على صياغة خطاب الدولة و تقديم اليمن بصورته الحقيقية و إدارة حضوره في المجال العام الإقليمي و الدولي على أسس مهنية مستقرة..فغياب هذا المشروع لا يعني فقط ضعف الأداء الإعلامي بل يعني استمرار الفجوة بين ما تمتلكه الدولة من قضايا عادلة وما يصل عنها إلى العالم من صور و روايات .