آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-01:32ص

مسيّرة جبل المراقشة… غياب الهوية وأسئلة السيادة

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 09:57 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


سقطت طائرة مسيّرة في جبال المراقشة بمحافظة محافظة أبين، وفق منشور متداول لم يحدّد هويتها ولا الجهة التي باشرت التحقيق في ملابسات سقوطها. وبينما بقيت التفاصيل غامضة، تصاعدت تساؤلات الشارع حول طبيعة المهمة التي كانت تؤديها، والجهة التي تقف خلفها، وما إذا كانت استطلاعية عسكرية أم ذات أغراض أخرى تتصل بالمسح الجيولوجي أو التنقيب عن الثروات.

جبال المراقشة ليست مجرد تضاريس وعرة؛ فهي جزء من جغرافيا غنية يُعتقد أنها تختزن موارد طبيعية مهمة. وفي ظل الحديث المتكرر عن عمليات نهبٍ غير منظّم لثروات باطن الأرض في بعض المناطق، فإن ظهور مسيّرة مجهولة الهوية فوق سماء المنطقة يثير الريبة ويعيد إلى الواجهة سؤال السيادة وحماية الموارد الوطنية.

بين الاحتمال العسكري والبعد الاقتصادي

الطائرات المسيّرة تُستخدم عالمياً في مهام متعددة: من الاستطلاع العسكري وجمع المعلومات، إلى المسح الجيولوجي ورسم الخرائط الدقيقة. وإذا كانت المسيّرة ذات طابع عسكري، فإن وجودها يستدعي توضيحاً رسمياً حول طبيعة نشاطها، خصوصاً في محافظة تُصنّف ضمن المناطق المحررة وتخضع لسلطات محلية وأمنية يفترض بها مراقبة المجال الجوي والتعامل مع أي اختراق محتمل.

أما إذا كانت لأغراض فنية أو جيولوجية، فإن ذلك يفتح باباً آخر من التساؤلات: من منح التصريح؟ ولصالح أي جهة يتم تنفيذ المسوحات؟ وهل تعود نتائجها بالنفع على الاقتصاد المحلي أم تذهب إلى أطراف خارجية؟ إن غياب الشفافية في مثل هذه القضايا يغذي الشكوك ويضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

أين الجهة المختصة؟

اللافت في الحادثة – كما ورد في المنشور – عدم الإشارة إلى جهة رسمية تحركت لتقصّي الحقائق. فالتعامل مع حطام طائرة مسيّرة يجب أن يخضع لإجراءات واضحة: تأمين الموقع، جمع الأدلة، فحص المكوّنات التقنية، وتحليل أنظمة الاتصال والتوجيه لمعرفة مصدرها. في العالم، يُتعامل مع سقوط أي جسم طائر – حتى وإن كان صغيراً – كمسألة سيادية وأمنية تستوجب تحقيقاً دقيقاً.

وإذا صحّ أن المسيّرة لم تُعلن هويتها بعد، فإن أبسط مقتضيات المسؤولية تقتضي بياناً رسمياً يوضح للرأي العام ما تم التوصل إليه، أو على الأقل يؤكد فتح تحقيق جاد.

فرصة علمية ضائعة؟

بعيداً عن الجدل السياسي، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية: البعد العلمي والتقني. فحطام المسيّرات يحتوي على أنظمة تحكم، ومحركات، ووحدات اتصال، ومستشعرات قد تمثل مادة تعليمية ثمينة للكليات العسكرية والهندسية. كثير من الدول تستفيد من دراسة التكنولوجيا المتاحة – حتى إن كانت أجنبية – لفهمها وتطوير بدائل محلية. فلماذا لا تُستثمر مثل هذه الحوادث – إن وُجدت – في تعزيز المعرفة التقنية الوطنية؟

إن تحويل حدث غامض إلى فرصة علمية يتطلب مؤسسات فاعلة، وخبرات قادرة على التحليل، وإرادة سياسية ترى في المعرفة قوة استراتيجية.

ماذا وراء المشهد سقوط مسيّرة مجهولة الهوية في جبال المراقشة ليس خبراً عابراً. إنه اختبار لقدرة الدولة على فرض سيادتها، وحماية مواردها، وطمأنة مواطنيها بالشفافية والمساءلة. بين فرضية الاستطلاع العسكري واحتمال المسح الجيولوجي، تبقى الحقيقة معلّقة بانتظار توضيح رسمي.

وفي ظل التحديات التي تعيشها البلاد، فإن أبسط ما يطلبه المواطن هو معرفة من يحلّق في سمائه، ولماذا، ولصالح من. فالأرض التي تُترك مواردها للنهب، والسماء التي تبقى بلا رقابة، كلاهما يعكسان فراغاً لا يحتمل مزيداً من الغموض.