أمةً ضحكت من جهلها الأمم".. بيت قاله المتنبي قديماً، وما زال يتردد صداه اليوم كمرآة تعكس واقعاً مريراً نعيشه. ففي الوقت الذي تشتعل فيه النيران في أطراف جسدنا العربي، نجد من بيننا من يرقص على جراح إخوته ، ويشمت في سقوط شبر من أرضه ، متناسياً أن النار إذا استعرت في بيت الجار ، فلن يطول الوقت قبل أن تصل إلى داره.
إن الشماتة في المصاب القومي ليست مجرد موقف سياسي عابر ، بل هي طعنة في خاصرة العروبة ، ودليل على ضياع البوصلة .. فمن يفرح بقصف عدو خارجي لأرض عربية! ، أيّاً كان الخلاف مع أهلها ، فقد تجرد من أصالة عروقه وخان دمه وتاريخه .. لقد طمس الحقد القلوب وأعمى العيون ، حتى أصبح البعض يرى في تدمير أخيه نصراً ! وفي انكسار جاره فرصة لتصفية حسابات ضيقة ، بينما الحقيقة أننا جميعاً في مركب واحد ، والعدو لا يفرق بين عاصمة وأخرى ، ولا بين طائفة وأختها.
إذا نظرنا إلى الغرب الذي نقارن أنفسنا به اليوم ، سنجد تاريخاً طويلاً من الحروب الطاحنة التي لم تبقِ ولم تذر. لكنهم حين أدركوا أن الصراع الداخلي هو طريق الفناء ، تجاوزوا آلام الماضي وبنوا تحالفات عريضة جعلت منهم قوة لا يستهان بها .. أما نحن ، فما زلنا غارقين في وحل الكراهية ، ننبش في دفاتر الأحقاد القديمة ، والعدو يراقب تشرذمنا ليبدأ بطحننا واحداً تلو الآخر.
علينا أن نستفيق من غيبوبتنا ، فالمعركة اليوم ليست معركة حدود أو نفوذ فحسب ، بل هي معركة وجود .. العدو لا يبحث عن "فئة" لينتصر عليها ، بل يسعى لطمس هوية الكل واستباحة الأرض العربية بلا استثناء .. إن تفتيت الجبهة الداخلية بالخلافات والشماتة هو السلاح الأقوى الذي نقدمه لأعدائنا على طبق من ذهب.
إن العروبة ليست مجرد شعارات تُرفع ، بل هي انتماء وموقف ونخوة تظهر وقت الشدائد .. من لا يغار على عروبته اليوم ، ولا يتألم لألم أخيه في أي بقعة من وطننا الكبير ، لن يجد غداً أرضاً يقف عليها ، ولن يجد صوتاً يدافع عنه حين يأتي دوره .. لقد حان الوقت لنتسامح ، لننهض ، ولنبني سداً منيعاً يحمي ما تبقى لنا من كرامة وأرض.