لو تأملنا مسار الأحداث في اليمن منذ إعلان الوحدة، لأدركنا حقيقة مريرة مفادها أن كثيراً من “انتصارات اللحظة” والقرارات الآنية التي بدت إنجازات في نظر صانعيها، لم تكن في جوهرها سوى “هزائم مؤجلة”. فقد تبيّن لاحقاً أن كل صراع انتهى بمنتصر، كان اليمن فيه هو الخاسر الأكبر.
في أزمة 1993 وحرب 1994، رُفعت لافتات النصر واحتُفل بما سُمّي “حماية الوحدة” في السابع من يوليو المشؤوم. غير أن الأيام أثبتت أن ذلك الحسم لم يكن سوى طعنة في خاصرة المشروع السلمي الذي عُلّقت عليه آمال شعب بأكمله. استمر ضجيج الاحتفالات سنوات، بينما كانت جذور الانقسام تضرب عميقاً في التربة الوطنية، محوِّلة النصر العسكري إلى شرخ اجتماعي وسياسي غائر.
تلت ذلك حروب صعدة الماراثونية (2004–2014)، التي تغنّى بها النظام آنذاك بوصفها إنجازات وطنية، لكنها في حقيقتها لم تنتج سوى تعقيدات بنيوية، وانتهت إلى ما يمكن وصفه بـ“انتصارات بلا نتائج”، بل تحولت لاحقاً إلى الوقود الذي أشعل حرائق أكبر.
وبالتوازي، جاء قمع الحراك الجنوبي منذ 2007 عبر المداهمات والاعتقالات، في محاولة لفرض الأمر الواقع بالقوة، لكنها أفضت إلى نتائج عكسية؛ فبدلاً من احتواء الأزمة، تعمقت الفجوة واتسع الشعور بالاغتراب الوطني لدى كثير من أبناء الجنوب.
وفي عام 2011، وفي سياق ما عُرف بالربيع العربي، شهدت البلاد حراكاً شعبياً واسعاً، غير أن المآلات انتهت إلى خيبة أمل عميقة، تجلت في مخرجات الحوار الوطني عام 2013 وما أعقبها من انهيار دراماتيكي في بنية الدولة.
وبحلول 2014 بلغ الصراع المتراكم ذروته، لتدخل البلاد مرحلة جديدة مع صعود الحوثيين، الذين لم تختلف شعاراتهم كثيراً عما رُفع قبلهم، إذ انتهى الأمر بمزيد من التدهور والانهيار، وهو ما مهّد لتدخل التحالف العربي.
ومنذ 2015 دخلت القوى الإقليمية والدولية على خط الصراع، واستمرت الحرب سنوات طويلة، حتى أدرك الجميع أن دوامة الإخفاق في اليمن لا تقتصر على الداخل، بل تمتد آثارها إلى كل من ينخرط فيها؛ حروب تُعلن انتصاراتها في الإعلام، لكنها في الواقع تنتهي إلى نتائج توحي بالفشل.
ومع نهاية عام 2025 وبداية 2026، عادت التوترات لتتصاعد، مع استخدام أدوات القوة ذاتها وارتفاع نبرة الحديث عن الانتصارات مجدداً. غير أن التجربة اليمنية الطويلة تؤكد أن كل نصر يُعلن في الميدان ينتهي إلى واقع مختلف، حيث يكتشف الجميع أن الحرب لم تمنح أحداً انتصاراً بقدر ما عمّقت خسارة الجميع.
لقد مرّ اليمن بمنعطفات قاسية، والدرس الأبرز الذي لم يُستوعب بعد هو أن الانتصارات العسكرية في الحروب الداخلية لا تبني دولة، ولا ترسّخ سلاماً، ولا تحفظ كرامة. فكل منتصر في حروب اليمن يكتشف في نهاية المطاف أنه قد خسر، تماماً كما خسر من سبقه، وكما خسر الوطن الذي يُحارَب باسمه.