يتصاعد النقاش حول المسلسلات الرمضانية اليمنية مع بداية شهر رمضان، وسط تساؤلات جوهرية حول الرسالة التي تحملها وجودة الإنتاج الجديد، إذ أن السؤال الحقيقي ليس فقط عن عدد الأعمال، وإنما عن الرسالة التي تحملها والقيمة التي تضيفها، وقدرة هذه الأعمال على كسر النمطية التي رسخت لعقود في العمل المشاهد اليمني، ورغم تزايد العدد في المسلسلات، إلا أن هذا الكم وحده لا يكفي لضمان جودة محتوى أو أصالة فنية.
تروج القنوات لأعمالها الفنية الرمضانية والذي يبدو للوهلة الاولى مبالغًا فيه، كونه يوحي بأنها سقدم "إبداع جديد" رغم أن الإبداع في جوهرة لا يتكرر، بينما تدعي أنها حول قضايا المجتمع ومشكلاته المعاصرة، لكن الواقع يُشير إلى أن هذه السردية تصطدم بغياب القيمة والرسالة وغياب المشكلات الحقيقية، وبضعف التنفيذ، سواء على مستوى السيناريو، البناء الدرامي، أو التكرار في الشخصيات والأدوار النمطية.
لكن يبقى السؤال الأهم:
هل هذه الأعمال التي تنفق من أجلها ملايين الريالات وربما الدولارات تثري فعلاً المشهد الفني وتحدث توعية إيجابية في ذهن المشاهد، أم أنها تكرر ببساطة نفس الأخطاء القديمة، تحت ستار الكوميديا؟
حتى الآن، ومع بداية عرض الأعمال يبدو أنها بعيدة عن الهوية الوطنية، والمواضيع الجوهرية التي تتطلب تناولها في الأعمال التلفزيونية، ويسير المشهد في اتجاه التكرار المقنع أكثر من الابتكار الحقيقي، وهذا يجعل الكثير يتساءل: ما مدى جدية القنوات اليمنية والمنتجين في صناعة المحتوى الثقافي والوطني ومواجهة السطحية الفنية؟!
وتتكرر الأسئلة: أين دور النقد الفني في تقويم وتوجيه هذه الأعمال نحو الأفضل؟ ولماذا تغيب الأعمال الثقافية التاريخية والوطنية والأمنية والتربوية رغم غنى اليمن بإرث تاريخي حضاري وثقافي قادر على تقديم إنتاجات تليق بمكانته؟ وأيضاً حاجته إلى دور المسلسلات الرمضانية في معالجة المشكلات المختلفة.
هذه الإشكالات تفرض نفسها بقوة في سياق يتطلب إعادة النظر في أسس الإنتاج الفني اليمني، ودراسة العوامل التي تعيق إصلاحه وتجويده، سواء من حيث القيمة والهدف وجودة المحتوى، أو من حيث التفاعل مع الجمهور والنقد، أو حتى استغلال الإمكانات الثقافية والتاريخية التي تزخر بها البلاد في صناعة أعمال فنية تعكس الهوية اليمنية في أبهى صورها.
والغريب أننا نقف عاجزين غير مدركين حجم التلوث الإعلامي، أما أصحاب القرار والقنوات الفضائية؛ فهم مشاركون في الغالب الأعم في المشكلة، فلا تجدهم يطرحون سؤالاً واحداً للقائمين على هذه الأعمال: هل هذه الأعمال التي تقدم ذلك التلوث الإعلامي مدركة لرسالتها؟ هل تؤمن فعلاً بأخلاقياتها المهنية والرسالة الإعلامية السامية؟ أم أن رغبات الموجه والممول هي مصدر الإلهام لهذا المضمون الإعلامي الفارغ؟
أزمة النقد الفني في اليمن: غياب التأطير وضعف التأثير
للنقد الفني والوعي التربوي والمجتمعي دورًا محوريًا في توجيه القنوات الفضائية والمحتوى الرقمي نحو القيم والأصالة ومستويات أكثر احترافية، حيث يساهم النقد في تقييم الإنتاج، وتسليط الضوء على مكامن القوة والضعف فيها، ودفع القنوات ومؤسسات الإنتاج إلى تحسين جودة أعمالها. إلا أن هذا الدور يبدو شبه غائب في المشهد اليمني، حيث يقتصر النقد الفني على تدوينات متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بعض المقالات الانطباعية التي لا ترقى إلى مستوى التحليل العميق.
النقد الفني ليس مجرد رأي شخصي، بل هو ممارسة مبنية على أدوات تحليلية تدرس السيناريو، والإخراج، والأداء التمثيلي، والبنية الدرامية، مما يساعد في خلق ثقافة نقدية حقيقية داخل الصناعة. وفي تجارب دولية (نموذج تركيا)، نجد إلى جانب الرؤية أن للنقد الفني تأثيراً مباشراً على نجاح أو فشل الأعمال، حيث يمكن لمقال نقدي قوي أن يعيد تشكيل مسار عمل درامي، كما يمكن للجمهور الواعي فنياً أن يفرض معايير أكثر صرامة على الإنتاجات. أما في اليمن، فإن غياب هذا التأطير النقدي يجعل الإنتاج الدرامي يسير وفق سياسة القناة ومنطق الإعلانات والمشاهدات، بدلاً من أن يكون وفق معايير القيم والجودة والتميز الفني.
الأعمال التاريخية: تغييب ممنهج رغم غنى التراث اليمني
رغم الإرث الحضاري الغني الذي يتمتع به اليمن، من عصور الدول التاريخية القديمة كمعين وسبأ وقتبان وحضرموت وحمير، إلى مرحلة دور أهل اليمن في نشر الإسلام والفتوحات، ثم مرحلة الدول التي قامت فيه كالرسولية والزيادية والطاهرية، ثم عصر ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وما تلاهما وصولاً إلى المرحلة الحالية التي تتطلب تفاعل الإعلام مع القضايا الوطنية، فإن الإنتاجات التلفزيونية الوطنية لم تتناول -مع الأسف- هذا المخزون الهائل في أعمال درامية تاريخية بما يليق بتاريخ اليمن وحضارته وحاجته.
الدراما التاريخية ليست مجرد استعادة لأحداث الماضي، بل هي وسيلة لتكريس الهوية الوطنية وتعريف الأجيال الصاعدة بتاريخ بلادها بأسلوب فني جذاب. ومن خلال استثمار هذا الإرث، يمكن لليمن أن يعزز مكانته في السوق الدرامية العربية والدولية، تماماً كما نجحت دول أخرى في تسويق تاريخها عبر إنتاجات ضخمة.
الغريب في الأمر أن اليمن يمتلك مقومات إنتاج دراما تاريخية ذات مستوى جيد، فمدنه التاريخية مثل مأرب وعدن وصنعاء وحضرموت وتعز وزبيد تعد استوديوهات حية، بمبانيها التاريخية وقلاعها وأسوارها التي لا تزال إلى حد ما تحافظ على طابعها القديم. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذا المجال ضعيفاً، حيث تفضل القنوات التركيز على الأعمال الاجتماعية والترفيهية، متجاهلة البعد الثقافي والتاريخي الذي يمكن أن يثري المحتوى الدرامي الوطني.
نسب المشاهدة المرتفعة وسطحية المسلسلات: مفارقة متكررة
تشهد الأعمال التلفزيونية الرمضانية نسب مشاهدة مرتفعة، حيث تتحول بعض المسلسلات والبرامج إلى حديث الساعة، لكن يغيب النقد السوي لهذه الأعمال وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تساهم هذه النسب المرتفعة في المشاهدة وتحقيق ملايين المشاهدات في استمرار الإنتاج السطحي والترفيهي والبعد عن القيم والأصالة؟
الجواب يكمن في طبيعة استهلاك المحتوى التلفزيوني خلال شهر رمضان. ففي ظل غياب الوعي المجتمعي وغياب البدائل الجيدة والقوية، ومع العادة الاجتماعية التي تجعل الكثير من الأسر تجتمع حول الشاشة وقت الإفطار، يجد المشاهد نفسه متابعاً للإنتاجات الدرامية، حتى وإن لم تكن بمستوى تطلعاته. هذا الواقع يجعل القنوات تعتمد أكثر على ضمان نسب مشاهدة مرتفعة بدلاً من التركيز على قيمة وجودة المحتوى، مما يرسخ حلقة مفرغة تعيد إنتاج السطحية والتفاهة والتضليل كل عام.
هذا التسطيح قادنا بإرادتنا نحو الاستهلاك، حيث تغلغلت السطحية في إعلامنا، وقضت على حصون الممانعة الثقافية، وطغى البُعد الاستهلاكي والترفيهي على الأعمال الرمضانية، وسيطرت عليها برامج التهريج والتهميش، وغابت الرؤية الثقافية والوطنية، وأصبحت الفضائيات بفعل هذه العقلية كـ "بقالات صغيرة" لبيع الجهل مباشرة على الهواء، تقدم بضاعة لا صلة لها بقيم أو أخلاق أو مراعاة لواقع الحياة اليومي وبناء المشاهد الواعي.