آخر تحديث :السبت-28 فبراير 2026-01:38ص

عدن..الذاكرة التي لا تنكسر و الرجال الذين يصنعون المعنى .

الجمعة - 27 فبراير 2026 - الساعة 08:36 م
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب


في ليالي رمضان التي تستعيد فيها المدن ذاكرتها لا تأتي عدن إلى مواعيدها الثقافية و التاريخية باعتبارها مدينة مناسبات بل مدينة امتحان دائم للوعي و الوفاء و المعنى..في هذه الأمسية الرمضانية التي احتضنتها عدن بكل ما تختزنه من وجعٍ نبيل و فخرٍ متجذر التقى أبناء المدينة و بناتها شبابها وشاباتها ناشطو منتدياتها و أطرها المجتمعية على ذكرى موجعة في ظاهرها عميقة في دلالاتها راسخة في وجدان كل عدنيّ يعرف أن مدينته لم تكن يومًا ساحة عابرة في تاريخ الصراعات بل مساحة إنسان و تعدد ومدنية و انفتاح..نستحضر في هذه المناسبة ذكرى استشهاد أبناء الراحل الكبير عبدالقوي حسن عبدالرحمن مكاوي

رئيس وزراء ولاية عدن الأسبق أمين عام جبهة التحرير الذين طالتهم يد الغدر في عمل إجرامي استهدف مقر سكنهم في محاولة آثمة للنيل من أمن المدينة و من رمزيتها و من ذاكرتها الجماعية..لم تكن تلك الجريمة فعلًا معزولًابل كانت امتدادًا لمحاولات متكررة لإرباك عدن و كسر صورتها المدنية و زعزعة ثقة أبنائها بذاتهم و بمدينتهم..غير أن عدن في كل مرة كانت تُجيد تحويل الألم إلى طاقة وعي و الخسارة إلى مسؤولية أخلاقية، والذكرى إلى مشروع صمود..وأستحضر هنا في هذا المقام كلمة لا تغيب عن وجداني قالها العم عبدالقوي مكاوي رحمه الله عام 1995م وأنا أغادر عدن بسبب نشاطي الطلابي.((الظفر ما يطلع من اللحم يا ابني))..لم تكن عبارة عاطفية بل فلسفة عدنية خالصة في فهم العلاقة بين الإنسان ومدينته و بين الجذر والتاريخ و بين الهوية و الواجب..واليوم ونحن نعيد قراءة هذه الكلمة في سياقنا الراهن ندرك أن عدن لا تُفارق أبناءها ولا يتخلّى أبناؤها عنها مهما تبدّلت الظروف و تكاثرت العواصف..إن الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الذكرى ليست في سرد تفاصيل الفقد بل في ترسيخ معنى التلاحم الاجتماعي والعمل المشترك وصناعة الأمل من داخل المجتمع نفسه بعيدًا عن ثقافة الإقصاء و التخوين،. وبعيدًا عن منطق التعميم غير المسؤول الذي طالما أضرّ بالنسيج العدني المتنوع

وفي هذا السياق يبرز اليوم مجلس عدن الاتحادي كنموذجٍ ناشئ للعمل المدني المنظم و كإطار جامع يسعى إلى إعادة الاعتبار للفعل المجتمعي المسؤول وتعزيز الشراكة في الرؤيةوتكريس منطق الاعتدال و حماية الاستقرار واستعادة ثقة المجتمع بذاته و بمبادراته..غير أن العمل المدني في مدينة بحجم عدن وتعقيدها لا يمكن أن ينجح دون جسور حقيقية مع مراكز القرار ودون أصوات عدنية صادقة داخل مؤسسات الدولة قادرة على نقل نبض المجتمع و الدفاع عن قضاياه و تمثيل تطلعاته بعيدًا عن الاستثمار السياسي الضيق..و من هنا تأتي أهمية الدور الذي يضطلع به اليوم

ياسين مكاوي مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي باعتباره أحد أبناء عدن ومن بيوتها العريقة و من الشخصيات التي راكمت حضورًا مؤسسيًا وعلاقات واسعة و خبرة سياسية وإدارية قادرة إذا ما أُحسن توظيفها على فتح مسارات تواصل فاعلة بين عدن و مراكز صناعة القرار..إن القيمة الحقيقية لهذا الدور لا تكمن في الموقع الوظيفي وحده بل في كونه صوتًا عدنيًا من داخل مؤسسة سيادية يدرك خصوصية المدينة.. وتعقيداتها الاجتماعية والسياسية ويعي أن عدن لا تحتاج إلى خطابات موسمية بل إلى سياسات عادلة وشراكات حقيقية و مقاربات تحترم تاريخها المدني.. وتستثمر في طاقاتها الشبابية و تحمي تنوعها المجتمعي..لقد أثبتت تجارب المراحل السابقة أن تغييب أبناء عدن عن دوائر التأثير أو التعامل مع المدينة كملف أمني فقط كان مدخلًا لتراكم الإخفاقات. أما اليوم..فإن الرهان الحقيقي هو على تمكين الكفاءات العدنية وتعزيز حضورها المؤسسي و دعم المبادرات المدنية الصادقة و في مقدمتها الأطر المجتمعية التي تنطلق من داخل المدينة لا من خارجها..إن هذه الأمسية الرمضانية في جوهرها ليست لحظة حزن فقط ولا مناسبة خطابية عابرة بل محطة لإعادة ترتيب الأسئلة الكبرى..كيف نحمي عدن؟

كيف نصون نسيجها الاجتماعي؟كيف نبني وعيًا شبابيًا لا يُختطف بالشعارات ولا يُستدرج إلى معارك جانبية ولا يُرهق بثقافة التخوين؟الجواب..كما تؤكده هذه الذكرى.. يبدأ من احترام الرأي المختلف و ترسيخ ثقافة العمل المشترك و تعزيز مفهوم المواطنة الحقيقية وتوسيع دوائر الثقة بين المجتمع و ممثليه في المؤسسات الرسمية..إن عدن التي قدّمت شهداءهاواحتضنت تنوعها وصمدت أمام التحولات العاصفة لا يمكن أن تنهزم في معركة الوعي..و إن أبناءها وبناتها.. وشبابها و شاباتها هم قلبها النابض و درعها الحقيقي و ذاكرتها الحيّة..فلنجعل من ذكرى شهدائنا و من تجاربنا المدنية الصادقة و من الجهود التي يبذلها المخلصون من أبناء عدن في مواقع المسؤولية رسالة واضحة للأجيال القادمة..أن عدن مدينة واحدة..و أن اختلاف أبنائها مصدر قوتها لا ضعفها

وأن العمل المدني الواعي المتكامل مع مؤسسات الدولة هو الطريق الأجدر لحمايتها و صون مستقبلها .