آخر تحديث :الجمعة-27 فبراير 2026-01:29ص

حين يُختبر التاريخ: التحدّيات المصيريّة أمام الأمّة العربيّة

الخميس - 26 فبراير 2026 - الساعة 10:37 م
المحامي/ عمر زين

بقلم: المحامي/ عمر زين
- ارشيف الكاتب


في الذكرى 68 للوحدة المصرية والسورية حديث الوحدة السنوي بعنوان:

الأمة بين التحدي والاستجابة

الذي قدمه الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي المناضل معن بشور في دار الندوة في 21/2/2026 طرح فيه عشرة أفكار لإطلاق حوار بين كل القوى الفاعلة في الأمة.

وفي هذا الحديث ندلي برأينا حول الفكرة الأولى التي نصت على:

"المراجعة المطلوبة من الجميع، أنظمة وأحزاب، ومفكرين، وقوى سياسية واجتماعية لكل المراحل السابقة واستخراج الدروس والعبر منها"

وعليه نقول:

تواجه الأمّة العربيّة في هذه المرحلة من تاريخها جملةً من التحدّيات المركّبة التي لا يمكن عزل بعضها عن بعض، إذ تتداخل الأبعاد السياسيّة بالاقتصاديّة، والاجتماعيّة بالقانونيّة، في إطار نظام دوليّ سريع التحوّل. أرى أنّ الإشكاليّة الأساسية لا تكمن فقط في حجم الأزمات، بل في طريقة إدارتها، وفي مدى خضوع السلطة لقواعد المشروعيّة وسيادة القانون، ولمدى حجم التآمر على الأمة.

لقد أدّت الأزمات السياسيّة في عدد من الدول العربيّة إلى إضعاف مفهوم الدولة الوطنيّة، واهتزاز الثقة بين المواطن ومؤسّسات الحكم. فالنزاعات وعدم الاستقرار في دول مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان كشفت هشاشة البنى الدستوريّة وعمق الانقسامات الداخليّة والحجم الكبير للتآمر على الأمة ووضع اليد على اقتصادها تقسيمها، تقسيم المقسم. إنّ غياب التداول السلميّ للسلطة، وضعف استقلال القضاء، وتسييس الإدارة العامّة، جميعها عوامل تُفرغ الدولة من مضمونها القانونيّ وتحوّلها إلى ساحة صراع مصالح داخلية وخارجية.

وفي هذا السياق، لا يكفي توصيف الأزمات، بل تبرز ضرورة مراجعة نقديّة شاملة لتجارب الأنظمة السياسيّة، والأحزاب، والمفكّرين، والقوى السياسيّة والاجتماعيّة عبر مختلف المراحل السابقة. فالأمّة التي لا تُجري تقويمًا ذاتيًّا موضوعيًّا تبقى أسيرة تكرار أخطائها. وتقوم هذه المراجعة، في تقديري، على جملة قواعد أساسيّة:

أوّلها: اعتماد القراءة الموضوعيّة البعيدة عن التقديس أو الشيطنة، بحيث يُقيَّم الأداء على أساس النتائج الفعليّة لا الشعارات.

ثانيها: التمييز بين النيّات المعلنة والسياسات المطبَّقة، لأنّ العبرة في الأثر القانونيّ والاجتماعيّ لا في الخطاب السياسيّ.

ثالثها: إخضاع جميع التجارب لمعيار سيادة القانون واستقلال القضاء واحترام الحقوق والحريّات، باعتبارها معايير قياس لا تقبل الانتقائيّة.

رابعها: دراسة العوامل الخارجيّة دون اتخاذها ذريعة لتبرير الإخفاقات الداخليّة، تحقيقًا للإنصاف والتحليل المتوازن.

خامسها: تحويل التجربة التاريخيّة إلى معرفة مؤسّسيّة تُترجم في إصلاحات دستوريّة وتشريعيّة واضحة، لا إلى سرديّات متنازعة تعمّق الانقسام.

إنّ استخلاص الدروس والعبر من المراحل السابقة يقتضي الاعتراف بالأخطاء قبل الاحتفاء بالإنجازات، وتقديم المصلحة العامّة على الولاءات الحزبيّة أو الأيديولوجيّة. فالمراجعة الصادقة ليست إدانةً للتاريخ، بل شرطٌ لبناء المستقبل.

وعلى الصعيد الاقتصاديّ، ورغم ما تختزنه المنطقة من موارد طبيعيّة وبشريّة، لا تزال معضلات البطالة وارتفاع معدّلات الفقر واتّساع الفجوة الطبقيّة قائمة. ويُضاف إلى ذلك الاعتماد المفرط على الاقتصاد الريعيّ، وغياب سياسات تنمويّة مستدامة، وانتشار الفساد الإداريّ والماليّ، وهي ظواهر تمسّ مباشرةً بمبدأ العدالة الاجتماعيّة، وتُضعف ثقة المواطن بالدولة. ومن هنا، يجب أن تشمل المراجعة تقييم الخيارات الاقتصاديّة السابقة، وقياس أثرها على الاستقرار الاجتماعيّ، ومدى توافقها مع مبادئ الشفافيّة والمساءلة.

أمّا في المجال القانونيّ، فإنّ التحدّي الأكبر يتمثّل في الفجوة بين النصّ والتطبيق. فرغم وجود أطر إقليميّة مثل جامعة الدول العربية التي أقرت الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الى جانب مواثيق تتعلق بحياة الأمة وأكثرها لا يعمل بها، إلا أنّ حماية الحقوق والحريّات لا تزال في كثير من الأحيان رهينة اعتبارات سياسيّة أو أمنيّة. وهنا أيضًا، تفرض المراجعة المؤسّسيّة تقييم أداء السلطات التشريعيّة والقضائيّة في كلّ مرحلة، ومدى التزامها بمبدأ المشروعيّة، لأنّ دولة القانون لا تُقاس بكثرة التشريعات، بل بمدى احترامها وتفعيلها بعدالة واستقلال.

كما تواجه الأمّة العربيّة تحدّيات ثقافيّة تتعلّق بالهويّة والانفتاح. والمراجعة الفكرية هنا تقتضي إعادة قراءة إنتاج المفكّرين والتيّارات الأيديولوجيّة، واختبار مدى قدرتها على التكيّف مع تحوّلات العصر دون التفريط بالثوابت الحضاريّة. فالفكر الذي لا يخضع للنقد يتحوّل إلى عقبة جامدة، والعقيدة الجامدة تُعيق التطوّر.

ولا يمكن إغفال التحوّل الرقميّ المتسارع، وما رافقه من جرائم إلكترونيّة وتحدّيات سيبرانيّة تتطلّب تحديثًا تشريعيًّا مستمرًّا وبناء قدرات قضائيّة وتقنيّة متخصّصة. وهنا أيضًا، يجب تقييم مدى استعداد الأنظمة والمؤسّسات لمواكبة هذا التحوّل، واستخلاص الدروس من التجارب السابقة في إدارة الأزمات والتحوّلات.

اخيرا، انني أرى، أنّ المراجعة الشاملة ليست ترفًا فكريًّا، بل واجبًا وطنيًّا وأخلاقيًّا. فبغير تقويمٍ صريحٍ للتجارب السابقة، وبدون قواعد واضحة للمحاسبة والتعلّم المؤسّسيّ، ستظلّ الأمّة تدور في حلقة مفرغة. أمّا إذا اقترنت المراجعة بإرادة إصلاح حقيقيّة، قائمة على سيادة القانون واستقلال القضاء وتعزيز الشفافيّة، فإنّها تتحوّل إلى نقطة انطلاق نحو مستقبلٍ أكثر استقرارًا وعدالة.

*الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب

بيروت في 24/2/2026