يبدو أن البعض في بغداد لا يزال يعيش واهمًا تحت عباءة الماضي، يظن أن المواثيق الدولية هي مجرد "حبر على ورق" يمكن مسحه بقرار قضائي مسيس أو صرخة غوغائية في ساحة برلمانية. إن قضية "خور عبد الله" ليست مجرد ممر مائي، بل هي كاشف للمصداقية السياسية، واختبار لمدى قدرة الدولة العراقية على الخروج من جلباب "العنجهية" التي أوردتها المهالك سابقًا.
إن حق دولة الكويت في خور عبد الله ليس منحة من أحد، ولا هو تنازل اقتنصته الكويت في غفلة من الزمن. إنه استحقاق وثقه القرار الأممي 833، وصادقت عليه الحكومة العراقية بكامل إرادتها ومؤسساتها التشريعية في عام 2013. والعجيب اليوم، هو هذا "الاستعراض المسرحي" الذي يمارسه البعض في العراق، محاولين القفز فوق التاريخ والجغرافيا. هل يعتقدون حقًا أن التنصل من الاتفاقيات الدولية هو شطارة سياسية؟ الحقيقة أنها "انتحار دبلوماسي" يجعل من الدولة طرفًا غير موثوق به في أي محفل دولي.
من المضحك المبكي أن نرى بعض الأصوات العراقية تتباكى على "السيادة" في خور عبد الله، بينما هي ذاتها التي ترهن قرارها الوطني لدول إقليمية يمينًا ويسارًا. إن الهجوم على الكويت هو "تكتيك الهروب إلى الأمام"؛ محاولة بائسة لتصدير الأزمات الداخلية الخانقة، وإشغال الشارع العراقي بصراعات وهمية مع جار لم يقدم للعراق إلا غصن الزيتون، حتى في أحلك ظروفه.
لقد تغير الزمن، والكويت اليوم ليست لقمة سائغة كما يتوهم أصحاب الرؤوس الحامية. السيادة الكويتية محمية بقوة القانون الدولي، وبإرادة شعبية صلبة، وبحكمة قيادة تعرف كيف تدير المعارك الدبلوماسية بهدوء "الكبار". أما هؤلاء الذين يحاولون إحياء نبرة التهديد، فنقول لهم: "كفاكم عبثًا ببلادكم قبل بلاد الآخرين". إن العبث بملف الحدود هو لعب بالنار لن يحرق سوى من يشعلها. خور عبد الله كويتي الهوية، دولي التوثيق، ولن تغير هذه الحقيقة صرخات "المنابر" ولا أحكام "الغرف المغلقة".