لم يكن تاريخ اليمن سطورًا في كتاب، بل كان حياةً تُعاش؛ قوافل تمضي، وتجارةٌ تزدهر، وأيدٍ تبني السدود كأنها تبني مستقبلًا لا يعرف الانكسار. ولم يكن مجرد جغرافيا عابرة في التاريخ، بل كان المدد والسند الذي قامت على أكتاف رجاله أركان أقدم الحضارات التاريخية. وكانت الحجارة في مأرب والجوف وشبوة وظفار وحضرموت تتحدّث لغة الخلود، فالجبال لم تكن صخورًا صامتة، بل كانت صدورًا عالية تحفظ العهد جيلاً بعد جيل.
اليمن الذي ذكره القرآن في قصص "سبأ" و "إرم ذات العماد"، ظلّ وفيًا لإرثه العظيم؛ أرضًا للحكمة، ومنبعًا للرجال، وقلبًا نابضًا بالعروبة والإسلام.
لكن اليوم هناك من يسعى لأن يكون مقبرة كبرى للأفكار العظيمة ومخزن منسيّ لذاكرة تُنهب بدم بارد تحت شمس لا ترحم وصمت دولة وسلطات لا تبالي. نحن أمام بلد يعاني من تخمة في التاريخ وهزال مرعب في الإرادة حيث ينام هذا الكيان الجغرافي فوق عشرات المواقع الأثرية المسجلة ومئات المواقع المتروكة للمصادفة ولأنياب الريح في كثافة أثرية تضعنا في صدارة العالم لكننا نقابلها بفراغ سيادي مخجل يجعل من الأثر والتاريخ في اليمن مجرد رهينة لا تملك لوبيًا يحميها في أروقة الحكم لأن الحجارة الصمّاء لا تصفق للسياسيين الأقزام الذين تعاقبوا على كراسينا.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تقصير أو إهمال إداري أو تعثر مالي يمكن تبريره بشحة الموارد بل هو عملية اغتيال حضاري منظمة تمارسها حكومات متعاقبة استقالت من دورها كحارس للذاكرة لتتحول إلى مجرد شاهد زور.
حين نرى ميزانية المواقع الأثرية التاريخية تتبخر في جيوب كتائب من المدراء القابعين وراء مكاتبهم الخشبية بينما تتبقى الفتات لترميم تاريخ يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف سنة وهو رقم لا يكفي لترميم سور مدينة متهالكة كانت عاصمة لدولة تاريخية بحجم معين أو حماية نقوش معبد أوام.
إن الترميم في هذا البلد تحول إلى صدقة دولية ومساومة إدارية حيث ننتظر الألمانيين والأوروبيين والأمريكيين ليرمموا لنا سيادتنا التاريخية بتمويلات مشروطة مما يكرس حقيقة أننا أمة قاصرة لا تؤتمن على صيانة بيت آبائها بينما تنخر المليشيات أساسات براقش وتغتال العصابات آثار صرواح وقتبان وظفار وبينون..، وتدفن الرمال أوام وبران وتدفن معه تاريخ يتجاوز ثلاثة ألف سنة تجعله في الأسفل وسط غياب تام للسلطات المسؤولة وللدراسات الجيوتقنية التي تُقبر في المكاتب لصالح مشاريع مشبوهة.
وهنا تلتقي الجريمة المنظمة بالخيانة المعمارية.
فما يحدث في مواقعنا التاريخية وتحديدًا في براقش وصرواح وأوام وبران وقتبان وبينون وظفار.. وغيرها من مئات المواقع جريمة منظمة تقوم بها مافيات التهريب وعصابات متنفذة حولت البلاد إلى ضيعة خاصة تُستباح فيها المواقع التاريخية والأثرية تحت أعين الجهات المسؤولة حيث تعبر الحاويات المحملة بالأحجار والنقوش والتماثيل والقطع النادرة لتظهر لاحقًا في مزادات لندن وباريس ونيويورك ومتاحف حيفاء المحتلة بينما تكتفي حكوماتنا بالتنديد بعد فوات الأوان.
هذا النزيف شاركت فيه بعثات تنقيب أجنبية مارست احتلالًا ناعمًا احتكرت المعلومة وتعاملت مع الأثري اليمني كعامل مناولة وتُهرّب تحت عباءتها الأكاديمية ما عجز عنه لصوص الليل في تواطؤ بنيوي مع بارونات النفوذ الذين يدفعون الرشاوى لتغيير صبغة المواقع الأثرية فيردم الجرّاف عشرات الحفر والأنفاق التي نبشت وأخرجت مئات القطع الأثرية في جوف الليل لتهرب خارج الحدود في عملية تجريف ممنهج تجري بمباركة مسؤولين يغضون الطرف مقابل أوراق زرقاء.
والطامة الكبرى هي ذلك التحالف غير المقدس بين البعثات الدولية وبين حكومات عاشت على التسول حيث فرضت تلك البعثات تنقيباتها ودراساتها فوق الطبقات التاريخية ب
لا قواعد وأسس تضمن سلامة المواقع ومحتوياتها من أي عبث أو سرقة لأن حركة هذه البعثات الأجنبية أقدس من نقوش معبد أوام وتاريخ براقش.. فيندفع الساسة لدهس التاريخ تحت مجنزرات المصالح الشخصية الضيقة وزيادة أرصدتهم المسمومة.
التقارير المكتوبة تشير إلى أننا بصدد فقدان نصف ذاكرتنا التاريخية خلال جيل واحد وهو انتحار حضاري لا يمكن تعويضه بأي خطاب سياسي أجوف لأننا ببساطة بصدد تمزيق صك ملكيتنا للمستقبل.
الأمة التي تفرط في أحجارها وتاريخها هي أمة مستعدة لبيع ترابها واليمن اليوم بصمتها المريب وفسادها البنيوي لا تفقد الماضي فحسب بل تبصق على حق الأجيال القادمة في امتلاك هوية صلبة محولةً نفسها من منارة للجزيرة العربية والعرب إلى مجرد خرابة كبرى تدار بعقلية حارس عقارات فاشل ينتظر السقوط النهائي في هاوية النسيان.
ما حدث في ليالي السقوط المتتالية التي عرفتها اليمن من لحظة سيطرة الإمامة على أجزاء من اليمن وسقوط عدن بيد الاحتلال البريطاني وصولًا إلى التحديات التي تعرضت لها اليمن بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر وما تلاها من اهتزازات، ثم الانقلاب في 2015 لم يكن مجرد انتقال للسلطة بل كان وليمة كبرى نُصبت على شرف اللصوص الكبار والصغار لنهب المواقع التاريخية والأثرية التي كانت تضم ما لا يقدّر بثمن من نقوش وتماثيل اليمن ومجوهراته وسيوفه ومقتنياته المختلفة الذي يحكي قصة قرون من العظمة والمجد وصولاً إلى نقوش وقطع أثرية كانت مدفونة أو موجودة في المواقع الأثرية في أكثر من محافظة يمنية.
وأشارت تقديرات رسمية غير معلنة إلى خروج نحو 23 ألف قطعة أثرية خلال سنوات الحرب من بينها شواهد قبور وتماثيل ونقوش حجرية وخشبية وبرونزيات وحلي وقطع ذهبية وعملات أثرية، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أكبر بكثير نظرا لعدم توثيق عمليات التهريب، ونشرت إحدى المنصات الرقمية التابعة لكيان الاحتلال الإسرائيلي (إسرائيل تتكلم بالعربية) عن وصول أكثر من 45 ألف مخطوطة يمنية إلى فلسطين المحتلة.
حيث اختفت هذه الكنوز لتظهر لاحقًا في بارونات التهريب الجدد أو تُشحن في طائرات خاصة نحو عواصم أجنبية في عملية تبخر فيزيائي.
في مشهد يثبت أن الدولة في اليمن -مع الأسف- كانت تُدار كغنيمة لا كأمانة وأن المسؤولين الذين اؤتمنوا على هذه المستودعات كانوا هم أنفسهم المفتاح الذي دخل منه اللصوص.
حيث تم تهريب العديد من الآثار والمخطوطات من المتاحف والمكتبات تحت أعين الأجهزة المسؤولة عن حمايتها لتُباع لاحقًا في مزادات عالمية تحت مسميات مختلفة أو في السوق السوداء في محاولة لطمس الحقيقة غير مدركين أن ضوء الشمس لا يحجبه غربال.
وهنا تبرز اليد الطولى لمؤسسات دولية ودوائر بحثية تتخفى وراء قناع حماية التراث العالمي بينما هي في الحقيقة ماكينة غسيل للتاريخ المنهوب، حيث تقوم بعض المعاهد الأثرية والمتاحف الكبرى في أوروبا وأمريكا وغيرها بتقديم غطاء علمي لهذه القطع المسروقة من خلال منحها شهادات منشأ غامضة تسمح بتداولها قانونيًا.
بل وتصل الوقاحة ببعض هذه المؤسسات إلى تمويل مشاريع رقمنة وهمية في اليمن ليس لحماية الأرشيف بل لفرزه واقتناص الدرر منه قبل أن يعرف الشعب اليمني بوجودها في عملية قرصنة أكاديمية تُشرعن النهب المادي.
فالدولة اليمنية اليوم لا تعرف حتى قائمة جرد حقيقية لما تملكه في مخازنها الموصدة والحكومات المتعاقبة تخشى فتح هذا الملف لأنه سيؤدي بالضرورة إلى إدانة أسلافها وأصدقائها في الجريمة مما جعل من تاريخنا المنهوب وقودًا لاقتصاد سري يمول مشاريع شخصية ويصنع ثروات لأسماء تصدرت المشهد وأخرى نراها اليوم تتصدر الشاشات وتتحدث عن الوطنية بلسان لا يستحي.
بينما نقوش ومخطوطات وآثار اليمن معروضة في متاحف غربية أو مخبأة في خزائن العصابات المحلية والعابرة للحدود في أكبر عملية سطو مسلح على الذاكرة الجماعية لشعب سُرق ماضيه ليُباع حاضره في سوق المزايدات الدولية.