لم تكد عدن تلتقط أنفاسها من عبث التعيينات التي صدرت في مرحلة عيدروس الزبيدي، حتى خرج علينا اليوم عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي بتعيينات جديدة، تصدر من خارج البلاد، وكأن مؤسسات الدولة إرث شخصي يُدار بالأمزجة لا بالدستور.
أي منطق هذا الذي يجعل قيادات عسكرية وأمنية تُعيَّن بقرارات فردية، دون مرجعية قانونية واضحة، ودون العودة إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة؟
أين هيبة الدولة؟ وأين احترام التسلسل الدستوري؟
إن استمرار هذه “الهَوْشَلية” في إدارة مؤسسات الجيش والأمن لا يعني سوى أمر واحد: تحويل المناصب إلى غنائم، والمؤسسات إلى إقطاعيات، والولاءات إلى بديل عن القانون.
لقد قيل لنا إن مرحلة المجلس الانتقالي الجنوبي بكل ما رافقها من تجاوزات قد طُويت، وأننا أمام عهد تصحيح مؤسسي تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي.
فإذا بنا نفاجأ أن الأدوات ذاتها تُعاد إنتاجها،
ولكن بأسماء مختلفة.
التعيينات العسكرية ليست بيانات سياسية، ولا رسائل تحدٍ، ولا استعراض نفوذ.
هي قرارات سيادية يفترض أن تصدر وفق الدستور والقانون، وبموافقة الجهة المختصة، حفاظًا على وحدة القرار العسكري ومنعًا لازدواجية القيادة.
إننا نرفع صوتنا عاليًا إلى رئيس مجلس القيادة:
أين موقفكم من هذه القرارات؟
هل هناك تفويض معلن؟ أم أن الدولة تُدار عبر مراكز قوى متنازعة، كلٌّ يصدر قراراته من مقره؟
الشعب لم يقدّم التضحيات ليُستبدل عبث بعبث، ولا ليخرج من وصاية
إلى وصاية.
نريد دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص.
نريد قانونًا يُحتكم إليه، لا بيانات تُفرض بالأمر الواقع.
إن الصمت أمام هذه التعيينات غير الدستورية هو مشاركة ضمنية في تكريس الفوضى.
ومن يسكت اليوم عن تجاوز في الجيش والأمن، سيجد نفسه غدًا أمام انهيار كامل للمنظومة.
الدولة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لإثبات النفوذ.
الدولة عقدٌ بين الشعب والسلطة… وأول شروطه احترام الدستور.
اللواء الركن :
سعيد محمد الحريري