آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-01:44ص

أربع سنوات على الحرب الروسية-الأوكرانية

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 11:38 م
محمد محسن الجوهري

بقلم: محمد محسن الجوهري
- ارشيف الكاتب


عندما شنت روسيا غزوها على الأراضي الأوكرانية في فبراير 2022، كان التصور الأقرب للحرب أنها ستنتهي كما انتهى الغزو الألماني لبولندا سنة 1939؛ وهو الحدث الذي مثل بداية الحرب العالمية الثانية، ونجح فيه النازيون في اجتياح جارتهم الشرقية خلال خمسة وعشرين يوماً فقط. وهو السيناريو الذي لم يتكرر بين روسيا وأوكرانيا لأسباب كثيرة، أهمها أن الحرب ليست حرباً خالصة بين البلدين، بل إن أوكرانيا تقاتل بالوكالة نيابة عن الغرب الذي يسعى لإضعاف القوة الروسية دون أن يتطور الوضع إلى حربٍ عالمية.


باختصار، الغرب -بقيادة الولايات المتحدة والناتو- لم يخسر شيئاً في هذه الحرب سوى بعض التمويل والعتاد العسكري، وهو ثمن زهيد جداً بالمقارنة مع تكلفة تدمير أوكرانيا؛ فكلفة إعادة الإعمار ستكون كبيرة ولن يتحمل عواقبها أحد سوى أوكرانيا نفسها، وهذا ما أكده ترامب للرئيس فولودمير زيلينسكي في أكثر من مناسبة.


أي أن التحالف الأوكراني مع الغرب يختلف عن التحالف البولندي معه عشية الحرب العالمية الثانية؛ فعندئذٍ ظنت بريطانيا وفرنسا أن تحالفهما مع وارسو سيحد من أطماع هتلر، إلا أن المفاجأة

حينها أنه لم يعر ذلك التحالف أي اهتمام، ولم ينتظر ردود الفعل من لندن وباريس، فغزا فرنسا وسعى لإسقاط بريطانيا بشتى الطرق. وقد مثل ذلك درساً للغرب مفاده ألا تحالفاتِ جديدة مع الدول الشرقية، والاكتفاء بتوريطها في الحرب نيابة عنها دون تدخلٍ مباشر من المعسكر الغربي.


ولذلك طال أمد الحرب بسبب إصرار الغرب على استمرارها وتغذيتها بالسلاح والتصعيد الإعلامي ضد روسيا، والتشديد على أنها حرب أوكرانيا وحدها، وأن أي دعمٍ لها يبقى في إطار الحفاظ على سيادتها واستقلالها؛ وهي مزاعم يدحضها الواقع الذي أثبت أن أوكرانيا رضيت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي أن تكون "جمهورية موز" لصالح الهيمنة الغربية.


في المقابل، فإن روسيا وقعت في فخ الحروب الطويلة، وفي ذلك استنزاف كبير لقواتها؛ فالعدو الرئيسي هناك -وهو الغرب- لا يخسر كثيراً في الإبقاء على تلك الوضعية، ومن مصلحته الاستمرار في الاستنزاف الروسي على غرار ما فعلوا من قبل في أفغانستان إبان الغزو السوفيتي لها قبل أربعة عقود.


وكان الأجدر بالقيادة الروسية أن تنقل المعركة إلى ساحة العدو الحقيقي، أو على الأقل أن تستهدف التعزيزات العسكرية القادمة لأوكرانيا عبر القطارات من وسط أوروبا؛ ولو فعلت ذلك لكانت مصيبة في فعلها، فهي بذلك تحمي أمنها القومي وتقطع شريان الإمداد الرئيسي للعدو، تماماً كما تفعل واشنطن في صراعاتها حول العالم، حي

ث تبرر غزوها للعراق وقبله لأفغانستان بأنه في سبيل حماية الأمن القومي الأمريكي.


وهذا يتناقض مع الحديث عن الدهاء الروسي؛ فموسكو هنا رضيت بمعالجة النتائج المتمثلة في قمع الجيش الأوكراني، وتخلت عن المسببات الرئيسية الكامنة في الدعم الغربي، وبذلك قبلت بإطالة أمد الحرب واستمرار النزيف الدموي على الجانبين، وفشلت في انتزاع وعود غربية بوقف الدعم لأوكرانيا مقابل التخلي عن حليفها في الشرق الأوسط، وقد كلف ذلك سقوط الهيبة العسكرية للجيش الروسي.



ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصور أكثر قسوة؛ حيث أصبحت أوكرانيا مجرد "رقعة شطرنج" في صراع الأقطاب الكبير، يُضحى فيها بالجنود والأرض مقابل استنزاف الخصم وتجربة السلاح. وهذه المأساة أهلكت الحرث والنسل حتى في روسيا نفسها، وأثبتت أن القوى العظمى الغربية لا تزال تدير مصالحها بدماء الشعوب "الوكيلة"، وأن الدهاء السياسي الذي غاب عن موسكو وتوفر بغزارة لدى واشنطن، قد جعل من أوكرانيا ثقباً أسود يبتلع مقدرات روسيا وهيبتها، ليخرج الغرب في نهاية المطاف الرابح الوحيد من حطام دولةٍ اختارت أن تكون ساحة لتصفية حسابات الكبار، فخسرت سيادتها ولم تربح سوى وعودٍ بإعادة إعمارٍ سيطول انتظاره.