آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-01:44ص

رشاد هائل سعيد يعود إلى تعز: رسالة ولاء وإنقاذ

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 11:15 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب



عاد رشاد هائل اليوم إلى تعز، ليس مجرد رجل في مجلس واسع، ولا بطاقة مسؤول على مكتب، بل كقلب ينبض بالمدينة نفسها. عاد لأنه سمع صرخة تعز من بعيد، لأنه لم يعد يحتمل أن ينام وفي جوف مدينته طفل عطشان، لأنه أدرك أن الولاء الحقيقي لا يحتاج ختمًا أحمر، ولا رتبة، ولا كرسيًا في ديوان عام.

الولاء كان للمدينة: للجدران الحجرية التي شهدت طفولته، للنساء اللواتي ربينه على حب الأرض، ولشوارع مشى فيها حافيًا يومًا، لا يدري أن القدر سيعيده ليحمل همّها على كتفيه مجددًا.

في المجلس، كانت الوجوه كثيرة، لكنها مجرد ظل. عيناه شاخصتان نحو المدينة، نحو الأطفال، نحو كل قطرة ماء تعلق في أعين الناس. رأى العجوز بدلوها الفارغ، ورأى الطفل بقارورته البلاستيكية، ورأى آلاف الأعين معلقة بانتظار المطر.

وفي اللقاء الموسع الذي نظمه مركز الإعلام الاقتصادي لمناقشة أزمة المياه، رفع شوقي أحمد هائل، محافظ محافظة تعز السابق، صوته بجرأة وصدق:

"رئيس الجمهورية من تعز، ووزير المياه من تعز، ورئيس مجلس النواب من تعز، وإذا لم يتحقق مشروع تحلية المياه لتعز الآن من المخأ وحلت مشكلة المياه في عهدكم، فمتى ستتحل هذه المشكلة؟"

كانت الكلمات تصنع موجة في قلب المجلس، وكأن المدينة نفسها تحدثهم من بين الجدران. استمع رشاد، وشعر بالمسؤولية كما لو كانت تلمس جلده، وقال بصوت يخرج من قلبه، لا من خطاب مكتوب:

"تحلية المياه… مشروع تحلية المياه… هذا ليس رفاهية… هذا الفرق بين أن تبقى تعز حية، أو تموت كل يوم في صباح جديد."

سقطت كلماته كالندى على قلوب الحاضرين. بعضهم اكتفى بالبكاء بصمت، وبعضهم أغمض عينيه ليتخيل تعز كما يراها رشاد: مدينة تصرخ للحياة، مدينة تستحق أن تعيش، مدينة لا تستسلم للعطش والموت اليومي.

لم يكن الحديث عن مشروع تحلية مياه فحسب، بل عن رسالة أكبر: المسؤولية، الولاء للمدينة، القدرة على تحويل الألم إلى فعل، وأن الحقوق الأساسية ليست رفاهية بل حياة. تحلية المياه ليست مجرد هندسة، بل رمز للصمود، وعد حيّ، وشهادة على أن المدينة حاضرة في قلب من يحبها.

ومن خلف النوافذ، كانت أصوات المدينة تصل إلى قلب المجلس: خطوات الأطفال على الأرصفة، دلو العجوز الذي فارغ، وشوشرة النسوة حول المياه القليلة… كل صوت كان يزيد ثقل كلمات رشاد، ويقوّي صدى ولائه للمدينة.

عودة رشاد ليست حدثًا روتينيًا. إنها رسالة لكل القلوب التي تحب المدينة: القيادة الحقيقية لا تُقاس بالرتب، بل بالقدرة على الاستماع للصرخات، وتحويلها إلى حلول ملموسة، وبأن تكون حاضرًا في كل لحظة تحتاج فيها المدينة إلى من يحملها في قلبه.

اليوم، تعز تستعيد أملها في صوت واحد، في رجل حملها في قلبه، جعل من كلماته جسورًا نحو المستقبل، ومشروعًا يكتب الحياة بدلًا من العطش والموت اليومي.

ومن بيت هائل إلى كل أبناء تعز… تبقى الولاء، تبقى المحبة، وتبقى الحياة.