يبدو حالنا كشبكة خيوطٍ متشابكة، تتداخل فيها المسارات، وتضيع فيها البدايات والنهايات. أحيانآ، نظن أننا أمسكنا بطرف الخيط الصحيح، نشده بقوة وأمل، معتقدين أن النهاية قريبة وأن العقدة ستنحلّ بسهولة…
لكن ما إن نشدّ أكثر، حتى نكتشف أن التشابك ازداد تعقيدًا، وأن الخيوط الأخرى التحمت به أكثر مما كانت عليه.
في لحظات كهذه، يتسلل إلينا شعور بالعجز. نحاول مرة أخرى، من زاوية مختلفة، بطرفٍ آخر، وبنيةٍ صادقة لإصلاح ما فسد. غير أن المحاولة المتكررة دون رؤية شاملة تجعلنا ننتقل من شدٍّ إلى قطع، ومن أملٍ إلى استعجال، فنلجأ إلى الحل الأسهل ظاهريًا: نقصّ الخيط لننهي الإرباك، ثم ننتقل إلى غيره. وهكذا تتكرر الدائرة
… شدٌّ، تعقيد، قطع.
ومع مرور الوقت، لا تبقى أمامنا شبكة يمكن إصلاحها، بل بقايا خيوطٍ قصيرة، فقدت ترابطها وقيمتها. لم نحلّ العقدة، بل أنهينا الخيوط نفسها.
هذه الصورة المجازية تعكس كثيرًا من واقعنا؛ في علاقاتنا حين نستعجل الحكم بدل الصبر على الفهم، في قراراتنا حين نختار القطيعة بدل الحوار، في مؤسساتنا حين نغيّر الوجوه دون معالجة الجذور، وفي أوطاننا حين نبحث عن حلول سريعة لمشكلاتٍ عميقة تراكمت عبر السنين.
المشكلة ليست في تشابك الخيوط، فالتشابك جزء طبيعي من أي نسيج حيّ. المشكلة في طريقة تعاملنا معه. شدُّ الخيط بعنف لا يعني أننا نعالجه، بل قد يعني أننا نزيد العقدة إحكامًا. وقطع الخيط لا يعني أننا انتصرنا، بل ربما خسرنا جزءًا من النسيج الذي يمنح المعنى للصورة الكاملة.
الحكمة لا تكمن في كثرة المحاولات، بل في تغيير المنهج. أحيانًا يحتاج التشابك إلى هدوء لا إلى قوة، إلى تأمل لا إلى استعجال، إلى رؤية شاملة للن
سيج كله لا إلى تركيزٍ ضيق على طرفٍ واحد. فكُّ العقدة يتطلب صبرًا، وربما الاستعانة بيدٍ أخرى، أو التراجع خطوة لرؤية المشهد من بعيد.
ليست كل عقدة تحتاج مقصًا، وليست كل مشكلة تُحلّ بالقطع. بعض الخيوط إن قُطعت لا يمكن إعادتها كما كانت، وبعض الشبكات إن تمزقت لا تعود إلى شكلها الأول مهما حاولنا.
لعل رسالتنا لأنفسنا في خضم هذا التشابك أن نتعلم فنّ التفكيك الهادئ، وأن ندرك أن قيمة الشبكة في ترابطها، وأن قوتها في صبر من يمسك بها. فليس المطلوب أن ننهي الخيوط، بل أن نحسن نسجها من جديد، بحكمةٍ ورويّة، حتى تعود لوحةً متماسكة لها معنى وقيمة.
د. ماجد علي