في إحدى القرى، كان رجل يمتلك قطيعاً من الأغنام، غير أن شاةً بعينها كانت الأقرب إلى قلبه، يوليها عناية خاصة واهتماماً يفوق سائر القطيع، وذات يوم وضعت تلك الشاة التي يحبها تيسين أحمرين جميلين، فازداد تعلقه بها وبصغيريها.
كان إذا عادت الأغنام من المرعى، يأخذ الشاة وتيسيها جانباً إلى زريبته الخاصة، ويضع أمامها الشجر الطري لتأكل وتدرّ اللبن بغزارة، فيما يرضع التيسان حتى يشبعا، ثم يمرحان حولها ويقفزان بين الأعشاب الخضراء، وكان الرجل يجلس غير بعيد عنهما، يحتسي الشاي الأحمر، ويتأمل المشهد في رضا وابتسامة.
لكن في أحد الأيام، وبينما كان مستغرقاً في تأمله، باغت ثعلب ماكر المكان، وانقض بسرعة خاطفة على أحد التيسين، وحمله وفر به أمام عيني الرجل المذهول، الذي لم يتحرك إلا بعد أن اختفى الثعلب في الأفق، عاد يومها بالشاة وتيس واحد، يجر خلفه حزناً ثقيلاً وندماً لا ينفع.
استقبلته زوجته بعتاب صريح:
"ألم أقل لك أن تترك الشاة وتيسيها مع بقية القطيع؟ إن حرصك الزائد وحبك المفرط لها هو ما جعلنا نفقد أحد التيسين، وكنا نعوّل على بيعه لسد بعض احتياجات المنزل، خاصة وراتبك متوقف منذ أشهر في الجيش!"
أجابها الرجل بعناد:
"غداً سترين ماذا سأفعل بالثعلب اللعين، لن يهدأ لي بال حتى أقتله، وقد أعددت له حيلة."
حاولت الزوجة أن تثنيه عن تهوره:
"دعك من الثعلب المكار، وانتبه لما تبقى من أغنامك، وكن أكثر حذراً."
لكنه أصر، وأراها سلاحه الآلي الذي صرف له من الجيش قائلاً:
"بهذا السلاح سأقضي عليه."
في اليوم التالي، ومع عودة القطيع من المرعى، ترك الشاة وتيسها يأكلان في المكان نفسه، بينما اختبأ خلف شجرة، سلاحه جاهز، ينتظر قدوم الثعلب، تأخر الثعلب قليلاً، ثم ظهر فجأة، وانقض بسرعة على التيس الثاني، أطلق الرجل رصاصته، لكنها أصابت الشاة في مقتل، بينما فر الثعلب بالتيس الآخر.
عاد الرجل هذه المرة منكسرًا، بعد أن خسر الشاة التي أحبها، والتيس الذي تبقى له، استقبلته زوجته بدعاء وغضب، وقالت:
"أنت تخطئ دائماً في قراراتك."
فأجابها بمرارة:
"ومن قراراتي أنني تزوجتك!"
هذه القصة، رغم بساطتها، تختزل كثيراً من واقعنا، إنها ليست حكاية عن شاة وثعلب فحسب، بل عن قرارات متسرعة تتخذ بدافع الغضب أو العاطفة أو الثأر، دون دراسة أو رؤية واضحة للعواقب.
كم من قرار اندفعنا إليه تحت تأثير الانفعال، فكانت نتائجه أفدح من الخطر الذي أردنا دفعه؟
كم من خطوة غير محسوبة أعادتنا إلى نقطة البداية، بعدما كنا نملك زمام المبادرة والأرض والقدرة؟
لقد عشنا مراحل كانت فيها الكلمة لنا، والتأثير بأيدينا، لكن قرارات عشوائية ومتسرعة بددت ما بني، وأعادتنا إلى مربع الصفر، إلى دوامة المطالبات والمظاهرات، بعد أن كنا في موقع الفعل لا رد الفعل.
العبرة واضحة:
الحكمة لا تكون في سرعة الرد، بل في صواب القرار،
والقوة لا تقاس بامتلاك السلاح، بل بحسن توظيفه.
ومن لا يتعلم من خسارته الأولى، قد يدفع ثمناً مضاعفاً في المرة الثانية.
د. غسان ناصر عبادي