آخر تحديث :الثلاثاء-24 فبراير 2026-02:15ص

الوطن ليس شعارات… بل حياة تُعاش ومسؤولية تُحمل

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 10:42 م
رجاء حمود الإرياني

بقلم: رجاء حمود الإرياني
- ارشيف الكاتب


بقلم/ رجاء حمود الإرياني


الوطن ليس مجرد كلمة نرددها بحماسة، ولا نشيد نردده في الطوابير، ولا شعارات تُرفع في الاحتفالات والمناسبات الوطنية. الوطن قيمة عميقة تسكن الوجدان، ومسؤولية يومية تُمارس في تفاصيل الحياة الصغيرة قبل المواقف الكبيرة. فحب الوطن الحقيقي لا يُقاس بعلو الصوت ولا بكثرة الادعاءات، بل بصدق الانتماء وحسن الفعل.

كثيرون يختصرون الوطنية في الكلام، فيرفعون الشعارات ويُكثرون من الحديث عن حبهم للوطن، بينما تصرفاتهم تناقض ما يقولون. فكيف يكون الإنسان وطنيًا وهو يهمل عمله، أو يعتدي على الممتلكات العامة، أو يستخف بالقوانين التي وُضعت لحماية المجتمع؟ إن الوطن لا يحتاج إلى من يتغنى به بقدر ما يحتاج إلى من يحافظ عليه.

الوطنية الحقة تبدأ من احترام النظام، والالتزام بالقانون، وأداء الواجب بإخلاص. تبدأ حين يدرك الفرد أن كل تصرف، مهما بدا بسيطًا، يترك أثرًا في صورة الوطن ومستقبله. فالمعلم الذي يؤدي رسالته بإتقان، والطبيب الذي يخلص في عمله، والعامل الذي يتقن مهنته، جميعهم شركاء حقيقيون في بناء الوطن، حتى وإن لم تُسلّط عليهم الأضواء.

والوطن ليس مكانًا نعيش فيه فقط، بل هو علاقة متبادلة بين الإنسان وأرضه ومجتمعه. يعطيك الأمان والهوية، وتمنحه الجهد والولاء. وهذه العلاقة لا تقوم على العاطفة وحدها، بل على الوعي. فالوعي هو الذي يجعل المواطن يفرّق بين النقد البنّاء والهدم، وبين الاختلاف المشروع والفوضى، وبين المطالبة بالحقوق والتهرب من الواجبات.

كما أن الوطنية لا تعني السكوت عن الخطأ، بل تعني السعي إلى الإصلاح. فحب الوطن الحقيقي يدفع صاحبه إلى تصحيح المسار، لا إلى التبرير والتغاضي. فالصمت عن الفساد ليس وطنية، والتخريب باسم الغضب ليس غيرة على الوطن. إنما الوطنية موقف متزن، يرفض الخطأ ويبحث عن الحل، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية.

إن أخطر ما يواجه الأوطان هو تحويلها إلى شعارات جوفاء تُستهلك في الكلام وتُنسى في الممارسة. فالأوطان لا تُبنى بالخطب، بل تُبنى بالعمل، ولا تُصان بالأغاني، بل تُصان بالقيم. وكل أمة جعلت من المسؤولية أساسًا لسلوك أبنائها، ضمنت لنفسها مستقبلًا أكثر استقرارًا وكرامة.

وفي الختام، يبقى الوطن أمانة في أعناق أبنائه، لا يطلب منهم المستحيل، بل يطلب الصدق. صدق الانتماء، وصدق العمل، وصدق التضحية. فالوطن ليس شعارات نرفعها، بل حياة نعيشها بوعي ومسؤولية، ومستقبل نصنعه بأيدينا كل يوم