معاً لفهم القضية اليمنية، من المعضلة السياسية إلى الفرصة الاقتصادية.
تفرض التحولات الجيوسياسية في المنطقة مؤخراً، إعادة التفكير بخلق حل مستدام للمشكلة اليمنية، بعيداً عن مقاربات الحلول التقليدية التي عجزت عن إيجاد حل نهائي للمشكلة اليمنية.
على مدى قرن من الزمن، ظلَّت المقاربة التقليدية للملف اليمني محبوسة في زاوية "المشكلة السياسية والأمنية". وانشغل الفاعلين الإقليميين والدوليين بترميم التوازنات بين القوى والمكونات اليمنية، معتبرين أن استقرار اليمن يبدأ وينتهي عند طاولات الحوار السياسي فقط. إلا أن قراءة التاريخ والواقع تؤكد بوضوح أن هذا التشخيص لم يلامس جذور الأزمة، فمشكلة اليمن في جوهرها هي مشكلة اقتصادية بامتياز. كما أن تشخيص المشكلة اليمنية كأزمة سياسية فقط هو ما جعل الحلول مؤقتة وهشة. كما أن السياسة في اليمن لم تكن السبب الجذري، بل كانت نتيجة مباشرة لفراغ اقتصادي طويل الأمد. الفقر، والبطالة، وضعف البنية التحتية، وانعدام المشاريع الإنتاجية الكبرى؛ كلها صنعت بيئة خصبة للاضطراب. وكل محاولة لمعالجة المشهد من زاوية سياسية فقط كانت تؤجل الأزمة ولا تنهيها.
على مدى سنوات استنزفت الأزمات اليمنية المتعددة طاقات وقدرات الفاعلين الإقليميين والدوليين أثناء محاولتهم فك رموز الولاءات والتحالفات بين المكونات اليمنية، وظلت الأزمة اليمنية تتطور عاماً بعد أخر حتى وصلت إلى مرحلة تهديد الأمن القومي للمملكة العربية السعودية بالتحركات الأحادية التي قامت بها بعض الأطراف المسلحة اليمنية بالقرب من الحدود الجنوبية للمملكة.
صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظك الله
تقف المملكة اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة مع اليمن، بما يتسق مع "رؤية المملكة 2030" الرؤية التي لا تؤمن بالحلول المسكنة، بل بالتحولات الهيكلية، وتُشجع على الابتكار والاستدامة، وكيفية تحويل المشكلة إلى فرصة واستثمارها الاستثمار الأمثل. وبالتالي فإن الحل المستدام في اليمن لا يكمن في الوساطات والحوارات السياسية بين الفاعلين اليمنيين فحسب، بل في خلق نموذج اقتصادي حقيقي يحول اليمن من "دولة تنتظر المساعدات" إلى "شريك اقتصادي فاعل" .
إن الفراغ التنموي، وتدهور البنية التحتية، وتعطل عجلة الإنتاج، هي الوقود الحقيقية لكل الاضطرابات التي شهدها اليمن. وعندما يفتقر الإنسان لفرصة العمل والأمن الغذائي، يصبح عرضة للاستقطابات التي تزعزع استقرار المنطقة برمتها.
سمو الأمير حفظك الله، إن الكتلة البشرية الأكبر في اليمن هي من الشباب. هذا الجيل الذي يراقب بإعجاب كيف أعدتم صياغة مفهوم الدولة والمستقبل في المملكة، يتطلع لأن يكون جزءاً من هذا الحلم.
هؤلاء الشباب هم "الوقود" الحقيقي لرؤية 2030 في نطاقها الإقليمي. عندما ينمو هذا الجيل وهو يرى المشاريع الاقتصادية الضخمة في المملكة، وكيف يمتد أثرها إلى مدنهم عبر مشاريع اقتصادية توفر لهم العمل وتحفظ لهم الكرامة، فإنه لن يرفع إلا صورتك كقائدٍ لم ينقذ حاضرهم فحسب، بل أمّن مستقبل أبنائهم وأحفادهم. سيُخلد اسمكم في التاريخ اليمني بوصفكم القائد الذي حوّل اليمن من "خاصرة قلقة" إلى "شريكٍ استراتيجي ناجح ومستدام".
إن الاستثمار في اليمن ليس مجرد دعم لدولة جارة، بل هو استثمار استراتيجي سيعود على المملكة بعوائد مالية ضخمة، وسيخلق عمقاً اقتصادياً وأمنياً مستداماً للمنطقة بأكملها. فاليمن بما يمتلكه من موارد طبيعية وبشرية يمكن أن يتحول إلى نموذج تنموي ناجح إذا ما أُعيد توجيه الجهود نحو الاقتصاد بدلاً من السياسة وحدها. كما أن إعادة التفكير في مقاربة المملكة لليمن عبر البوابة الاقتصادية سيؤسس لحل ثابت ومستدام، ويعزز مكانة المملكة كقائدة للتنمية والاستقرار في المنطقة، ويجعل من اليمن شريكاً اقتصادياً فاعلاً بدلاً من أن يبقى ملفاً سياسياً معقداً.
سمو الأمير حفظك الله، لقد تجاوز عطاء المملكة العربية السعودية لليمن منذ عام 2011م حاجز 20 مليار دولار، بالإضافة إلى تكاليف الحرب في اليمن وتأثيراتها السلبية على عوائد الاقتصاد السعودي، ومجموع هذه الأرقام سيظل في ارتفاع متواصل إذا ما ظلت الأزمة اليمنية على حالها، وهذا ما يتعارض تماماً وفلسفتكم الاقتصادية التي تؤكد على ضرورة توظيف الموارد المالية في البدائل الأعلى ربحية والأكثر استدامة والأقدر على خلق فرص متجددة، واليوم ومع بزوغ فجر "رؤية المملكة 2030"، يحتاج اليمن إلى نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي. تفكير يليق برؤية وطموح الأمير محمد بن سلمان في المنطقة ككل، ويحول اليمن من مشكلة سياسية إلى فرصة اقتصادية.
سمو الأمير حفظك الله، إن جوهر الحل للأزمة اليمنية هو في إدخال كل الدعم والعطاء المادي والمعنوي الذي تقدمه السعودية لأشقائها في اليمن عبر بوابة الاقتصاد بشكل مباشر، من خلال الآتي:
_ إنشاء الصندوق السعودي اليمني للاستثمار، صندوق استثمار سيادي يؤسس بالشراكة بين عدة شركاء( صندوق الاستثمارات العامة السعودي _ الحكومة اليمنية عبر مؤسسة من مؤسساتها الاستثمارية _ المؤسسات الدولية والمانحين الدوليين ) يركز على المشاريع الربحية وليس المنح.
_ توجيه حزمة استثمارات سعودية لتطوير مدن صناعية داخل المدن الرئيسية في اليمن، وانشاء شراكات تجارية سعودية يمنية في قطاع الصناعات الغذائية _ مواد البناء _ الصناعات الخفيفة _ الأسمدة والمنتجات الزراعية.
_ اجراء مراجعة محاسبية لمعرفة كل المبالغ التي انفقتها السعودية خلال العشر السنوات الماضية، والإعلان عن تقديم دعم مالي بإجمالي نصف تلك المبالغ، دعماً عاجلا للاقتصاد اليمني ضمن خطة زمنية مدتها خمس سنوات قادمة يشرف عليه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تخصص كاملة للبنية التحتية _ شبكات الطرق _ الطاقة الكهربائية _ تحلية المياه _ التأهيل الفني والمهني، أؤكد لك أن هذا الدعم سيكون الأكثر جدوى واستدامة لأشقائكم في اليمن.
إن دراسات الجدوى الاقتصادية الحديثة تؤكد أن الاستثمار في اليمن ليس عبئًا ماليًا، بل فرصة ذات أبعاد متعددة بعد أن يستقر:
_ سوق استهلاكية ضخمة لمنتجات وخدمات الشركات السعودية.
_ فرص ملكيات استراتيجية في مشاريع بنية تحتية وصناعية مربحة.
_ عمق اقتصادي داعم للمملكة بدل خاصرة أمنية مضطربة.
سمو الأمير حفظكم الله، اليمن يمتلك كتلة شبابية كبيرة. هذا الجيل، إن وجد الفرصة، سيكبر في ظل مشروع إقليمي تقوده المملكة، جيل يتعلم، يعمل، ويندمج اقتصاديًا مع محيطه الخليجي. جيل ينظر إلى قيادتكم باعتبارها من نقل بلاده من الفوضى إلى الإنتاج.
هذا الرصيد البشري يمكن أن يكون عنصرًا فاعلًا في تحقيق مستهدفات رؤية 2030، سواء عبر التكامل في سلاسل الإمداد، أو في المشاريع المشتركة، أو في أسواق العمل المنظمة. كما أن خلق أمل اقتصادي حقيقي للشباب اليمني يعني خلق جدار استقرار دائم للمنطقة.
هشام السامعي
باحث ماجستير في مجال الحوكمة واقتصاد الأعمال .