الهجوم على مقر الحكومة في قصر معاشيق عقب اول اجتماع للحكومة في عدن يشكّل رسالة سياسية قاسية تختبر حدود السلطة الجديدة وقدرتها على ممارسة الحكم في العاصمة المؤقتة. فالقصر لا يمثل مجرد مبنى حكومي، بل رمزاً لفكرة الدولة وشرعيتها، واستهدافه يعني أن الرسالة موجّهة الى هيبة السلطة ذاتها، ويكشف في الوقت نفسه عن صراع مفتوح حول احتكار القوة بين الدولة والتشكيلات المسلحة خارجها، ويضع الحكومة امام اختبار حقيقي: هل تملك القدرة على فرض النظام وضبط السلاح وحماية المجال العام، وملاحقة مرتكبي هذا الهجوم المسلح وتقديمهم للعدالة؟
على مدى السنوات الماضية، تبلور في الجنوب واقع بالغ التعقيد، تراجعت فيه سلطة المؤسسات الرسمية لمصلحة قوى مسلحة وكيانات سياسية تمتلك نفوذاً ميدانياً يتجاوز نفوذ الدولة نفسها. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم ما جرى في محيط قصر معاشيق بمعزل عن صراع اعادة توزيع القوة، إذ تبدو عدن اليوم ساحة تنافس بين مشروع يسعى الى استعادة الدولة وقرارها السيادي، ومشروع آخر نشأ ما بعد تحرير عدن ويقاوم اي محاولة لتقليص نفوذه او انتزاع مكتسباته.
ما حدث يتجاوز بعده الأمني ليكشف ملامح صراع ما بعد الحرب على النفوذ والسيادة، وتداعياته المحتملة على مستقبل المنطقة بأكملها. ولذلك تبدو السلطة مطالَبة باتخاذ إجراءات حازمة بوصفها دولة لا تزال في حالة حرب، ويحق لها — وفق هذا الواقع — اتخاذ تدابير استثنائية تضمن استعادة الأمن في المناطق المحررة ما دامت المواجهة مع جماعة الحوثي قائمة. فلا يمكن السماح باضطرابات داخلية تعرقل مسار استعادة الدولة او تُبقي العاصمة المؤقتة رهينة للفوضى.
غير أن السؤال الاهم ليس من نفّذ الهجوم، بل لماذا وقع في هذا التوقيت تحديداً؟ ويمكن قراءة الرسالة عبر ثلاثة مستويات متداخلة: اختبار جدية الحكومة الجديدة، ومحاولة تحسين المواقع التفاوضية قبيل اي تسوية قادمة، وبداية مرحلة اعادة ضبط الفاعلين المحليين بعد سنوات من الفوضى المُدارة، وهو ما يكشف أن الجنوب يقف اليوم على مفترق حاسم بين استعادة الدولة او تكريس واقع النفوذ المسلح. ولن تقف تداعيات هذه المرحلة عند حدود عدن، وستعيد رسم ملامح اليمن في مرحلة ما بعد انهاء انقلاب الحوثيين.
لقد اكدتُ مراراً أن بوابة استعادة الدولة هي الأمن اولاً. وهذا يتطلب ضبط السلاح المنفلت، وإخضاع القوات غير النظامية لمنظومة قيادة موحدة، واستدعاء الكوادر العسكرية وإعادة توزيعها وفق أسس مهنية وفي مناطقها، وتمكين أبناء عدن من حماية مدينتهم، وانهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة الخارجة عن اطار الدولة. فبدون ذلك ستظل اي سلطة سياسية بلا أ
ادوات فعلية للحكم، وستبقى العاصمة المؤقتة مجرد مقر اداري لا مركزاً حقيقياً للسيادة.
إن التحدي الجوهري امام الحكومة اليوم هو الانتقال من سلطة اسمية الى سلطة فاعلة قادرة على فرض القانون وحماية المجال العام. فبدون اجراءات رادعة وواضحة بحق من يهدد الأمن، ستظل المؤسسات شكلية، وستبقى عدن مدينة تحكمها توازنات السلاح، لا قرارات الدولة. وفي مثل هذا الواقع، لن يكون السؤال: من يحكم؟ بل من يمتلك السلاح الاكثر تأثيراً ليحكم ويُفرض إرادته؟