آخر تحديث :الإثنين-23 فبراير 2026-02:02ص

من حلم الجنوب إلى غنيمة المنتفعين

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 12:10 ص
اللواء الركن سعيد الحريري

بقلم: اللواء الركن سعيد الحريري
- ارشيف الكاتب


اللواء الركن : سعيد محمد الحريري


الثورات في جوهرها فعل تضحية، وصرخة شعب في وجه الظلم، وحلم أجيال تبحث عن الكرامة والعدالة.

لكن أخطر ما يهدد أي ثورة ليس خصومها المعلنين، بل أولئك الذين يتسللون إلى قيادتها، يرتدون عباءتها، ويتحدثون باسمها… ثم يحولونها إلى مشروع خاص.


“لصوص الثورات” ليسوا مجرد فاسدين عاديين، بل هم أخطر؛ لأنهم يسرقون الحلم ذاته. يبيعون الشعارات في الساحات، ويشترون العقارات في الخارج. يتحدثون عن الصمود بينما أسرهم في عواصم آمنة، ويتغنون بالتضحيات بينما أبناؤهم بعيدون عن جبهات المواجهة.


النموذج الذي نراه اليوم في بعض قيادات المجلس الانتقالي يعكس هذا التناقض المؤلم.

فبينما يعيش المواطن الجنوبي أزمات الخدمات، وانهيار العملة، وغياب الرواتب، نجد قيادات وضعت أسرها خارج الوطن، وتنعموا بحياة مترفة، يتنقلون بين العواصم، ويتركون الميدان للشباب المغرر بهم.


ولم تكن أحداث اجتياح محافظتي حضرموت والمهرة ببعيدة عن الأذهان.

هناك تكررت القصة ذاتها: قرارات متعجلة، اندفاع بلا حساب، ثم ترك الأبرياء يواجهون مصيرهم المجهول.

عندما احتدمت المواجهة، لم يكن البسطاء هم من يملكون خطط الهروب أو حسابات الخارج. الذين دفعوا الثمن هم أبناء تلك المحافظات وأسرهم، بينما آثر المتصدرون السلامة وغادروا، ليحافظوا على أموال جمعوها باسم الجنوب وقضيته.


الثورة التي تتحول إلى مليشيا بلا مشروع دولة، وإلى نفوذ بلا مؤسسات، تنتهي غالبًا نهاية مأساوية. وعند أول منعطف سياسي أو عسكري، يهرب المتصدرون بالمكاسب، تاركين من حملوا السلاح لمصيرهم المجهول.


المشكلة ليست في عدالة المطالب، بل فيمن اختطف القضية وحولها إلى تجارة. القضية العادلة لا تحتاج إلى متاجرين، بل إلى رجال دولة يعيشون مع شعبهم، يتألمون لألمه، ويقفون معه في ساعة الشدة، لا أن يغادروا عند أول اختبار.


الثورات لا تنهزم فقط حين تُقهر، بل حين يُتخلى عنها من داخلها.

والتاريخ لا يرحم من باعوا أحلام الناس مقابل مصالحهم الخاصة.