آخر تحديث :الإثنين-23 فبراير 2026-02:02ص

العلاقات الدولية غير الرسمية .. والاستعمار الجديد عبر الوسيط المحلي ..!!

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 12:02 ص
إبراهيم ناصر الجرفي

بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي
- ارشيف الكاتب


إن المهتم بالعلاقات الدولية ، سوف يدرك على الفور بأن هناك نوعان من العلاقات الدولية ، النوع الأول العلاقات الدولية الظاهرة والرسمية ، وهي العلاقات التي تتم بموجب البروتوكولات الدولية والعلاقات الدبلوماسية ، وعبر القنوات الحكومية الرسمية ، وهذا النوع من العلاقات يتسم بالإيجابية والالتزام بالقوانين الدولية واحترام سيادة الدول واستقلالها ' والنوع الثاني هي العلاقات الدولية غير الظاهرة ، وهي العلاقات التي تتم خارج الأطر الدولية والدبلوماسية والعلاقات الثنائية ، وتتم خارج القنوات الحكومية الرسمية ، وتدار في كواليس ودهاليز أجهزة المخابرات وتحظى بالسرية ' ومن الأمثلة على ذلك تلك العلاقات المشبوهة بين أجهزة مخابرات الدول القوية التي تمتلك مشاريع توسعية واطماع استعمارية مع الأحزاب المعارضة أو مع الجماعات المتطرفة أو مع الاقليات الدينية والأثنية في هذه الدولة أو تلك ، بغرض إحداث قلاقل وإختلالات فيها ، أو لغرض إسقاط نظامها السياسي ، أو بغرض الضغط عليها للرضوخ لشروط معينة ، أو بغرض السيطرة على قرارها السياسي ( الاستعمار الجديد ) ..!!


وبهذا الشكل أصبحت الأحزاب المعارضة والجماعات المتطرفة والاقليات ( الوسيط المحلي ) ، في دول العالم الثالث عموماً ، وفي العالم العربي خصوصاً ، أدوات سلبية بيد الدول الخارجية الاستعمارية المؤثرة والقوية سواء الإقليمية منها أو الدولية ، تستغلها بشكل سلبي ضد الأنظمة السياسية الحاكمة ، وقد لجأت الدول القوية والمؤثرة لهذه الأساليب الخبيثة والماكرة ، للإلتفاف على القانون الدولي ، الذي يمنعها من التدخل السلبي المباشر في شئون الدول الأخرى ، ليكون ( الوسيط المحلي ) وسيلة للتدخل في شئون الدولة المستهدفة ، بحكم أنه هذا الوسيط جزء من التركيبة الشعبية ، وله الحق في نيل حقوقه وحرياته والمشاركة في السلطة ..!!


ليصبح ( الوسيط المحلي ) سيفاً في يد الدول الاستعمارية القوية والفاعلة ، تسلطه على رقبة هذا النظام السياسي أو ذاك ، بغرض الإبتزاز السياسي أو الاقتصادي ، وفي حال مقاومة ورفض النظام السياسي لسياسات الإبتزاز ، عادةً ما تلجأ هذه الدول ، إلى دعم ( الوسيط المحلي ) بكل الوسائل الممكنة السياسية والإعلامية والاقتصادية وصولاً إلى العسكرية ، بغرض إسقاط النظام السياسي الحاكم الرافض للابتزاز والخنوع والخضوع ، وفي حال نجاح ( الوسيط المحلي ) في ذلك واستيلاءه على السلطة ، تصبح تلك السلطة تابعة وخانعة وفاقدة للسيادة والقرار ، ومجرد أداة في يد الدولة الاستعمارية الداعمة لها ، تنفذ سياساتها وأهدافها وأجنداتها ، وهكذا وضع هو الإستعمار الخفي للدول المستهدفة ، وبهذه الطريقة يتم إستغلال العلاقات الدولية بشكل سلبي ..!!


وبهذا الشكل تم تفريغ الديمقراطية والتعددية السياسية من محتواها وأهدافها وغاياتها السامية ، لتتحول إلى أداة سلبية يتم من خلالها إستغلال الدول وإبتزازها وإخضاعها ، وحتى تدميرها وتخريبها والعبث بها ، وقد يقوم الداعم الخارجي بنفخ وتضخيم ( الوسيط المحلي ) في الدول المستهدفة ، وإعطاءه أكبر من حجمه الطبيعي إعلامياً وسياسيا وعسكريا ، كمقدمة لاستيلائه على السلطة ، ومخطئ من يظن للحظة واحدة ، بأن هناك ( وسيط محلي ) استولى على السلطة بالقوة في دول العالم الثالث ، بدون الحصول على الدعم والرعاية والتأييد والضوء الأخضر الخارجي ، والذي عادةً ما يكون خفياً ، مراعاة للقانون الدولي الذي يوجب إحترام سيادة واستقلال الدول ، ويمنع الدول الأخرى من التدخل في شئونها الداخلية ..!!


وبهذه الطريقة تجري العلاقات الدولية غير الظاهرة ( الخفية ) ، بين الدول الاستعمارية القوية والمؤثرة ( الداعم الخارجي ) مع ( الوسيط المحلي ) ، الذي يقبل على نفسه التبعية والخنوع والخضوع للخارج ، وبهذه الطريقة كم شاهدنا من أحزاب معارضة وجماعات متطرفة واقليات أثنية وعرقية ، وهي تقوم بإسقاط أنظمة سياسية قوية حاكمة وتستولي على السلطة ، وبهذا الشكل تُدار الكثير من العلاقات الدولية ، وخصوصاً فيما يتعلق بدول العالم الثالث ..!!


وبهكذا أساليب تمكنت القوى الدولية والإقليمية التوسعية والاستعمارية ، من التحايل على القانون الدولي ، ومن تصدير مشاريعها وأجنداتها السياسية والفكرية وفرضها بالقوة على الدول الأخرى المستهدفة ، لتصبح في حكم المستعمرة والتابعة والفاقدة للسيادة والاستقلال ، لذلك لن نبالغ إذا قلنا بأن نزعة الهيمنة والتوسع والاستعمار هي السائدة اليوم في عالم العلاقات الدولية ، وإن كان ذلك بشكل غير ظاهر وغير مباشر ( الاستعمار الخفي ) ، وعبر أدوات داخلية ومحلية ( الوسيط المحلي ) ، وهذا النوع من الاستعمار أسوأ بكثير من الاستعمار الظاهر ، لأن في حالة الإستعمار الخفي ، لا تتحمل الدول الاستعمارية أي مسئولية مباشرة تجاه الشعوب المستعمرة ، كمل أنها ليست بحاجة لإرسال جيوشها وقواتها بشكل مباشر ، كون أدواتها المحلية تقوم بكل ذلك ، وكل ما تقوم به هو الدعم السياسي والاعلامي والعسكري ، وارسال الخبراء والقادة لإدارة شئون الدولة المستهدفة بما يتوافق مع مصالحها وسياساتها ، أما في حالة الاستعمار الظاهر التقليدي كانت الدول الاستعمارية تتحمل نوعاً من المسئولية القانونية والأخلاقية تجاه الدول المستعمرة وشعوبها ..!!