الأسبوعَ المنصرم، زرت إحدى المكتبات المهمة في العاصمة الرياض، رحت أبحث فيها عن مصادرَ ووثائقَ حول تأريخ الدولة السعودية وملوكها، وما دوّنه المستشارون من مذكرات، وما نشره الرحالة من يوميات، فقراءة هذه المتون وفحصها والتمعن فيها، إضافة لما فيه من متعة وسيرة اجتماعية وتراثية تفصيلية، يُكوِّنُ لدى الإنسان فهماً أعمق للكيفية التي بنيت عبرها الدولة في شبه الجزيرة العربية، والظروف الصعبة المحيطة بها، حين أسس الإمام محمد بن سعود، الدولة السعودية الأولى عام 1727، وانتقلت من طور إلى آخر، حتى وصلت إلى النموذج الحالي، لتصبح واحدةً من الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً!
الدولة السعودية واجهت تحديَ البيئة الصحراوية الجافة، والجغرافيا القاسية، وشحّ الموارد الطبيعية، وكانَ الناس في القرون والعقود الماضية يعانون ضيق ذاتِ اليد، حتى أفراد الأسرة المالكة، لم يكونوا استثناء من ذلك، بل عاشَ كثيرٌ منهم في بيوت من الطين، وكانوا أياماً يجدون الزادَ الملائم، وأياماً أخرى لا يتوفر لديهم ما يكفي لأكثر من وجبة واحدة أو أقل، وهذا حالٌ استمر حتى بدايات الدولة الثالثة.
وأنا أقرأ في كتاب «فهد الفيصل... الأمير الأمين»، وهو الأمير الذي قاتل في صفوف جيش الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكان صاحب رؤية حديثة سبقت عصره لتطوير العاصمة الرياض؛ في طيات الكتاب ينقلُ مؤلفه سلمان بن محمد الحديثي نزراً من سيرة والدة الأمير فهد، وهي موضي بنت ناصر بن سعود بن إبراهيم بن عبد الله بن فرحان، والتي «عاشت مع ولديها حياة صعبة، وعلى الرغم مما مرَّت به معهما من فقر وشظف عيش، فإنها كانت عزيزةَ النفس، ولم تكن تشكو إلا إذا مسَّهم الجوع مساً شديداً، عندها كانت ترسل ولديها أو أحدهما للسلام على الإمام عبد الرحمن، الذي يفطن لحالتهما، فيرسل لهما الطعام»، وذلك وفق ما رواه الأمير عبد العزيز بن فهد الفيصل، للحديثي!
أهمية هذه القصة أنَّها تكشف عن كيف كانت المعيشة ضنكاً، ليس في زمن الدولة السعودية الأولى أو الثانية، وإنما أيضاً في القرن الميلادي المنصرم، أي ليس من زمن بعيد! ورغم هذه الظروف الحياتية الخشنة، فإنَّ الإرادة القوية، والإيمان بالمشروع، جعَلَا الدولة السعودية الثالثة أمراً واقعاً، دافعاً بها نحو تثبيت الأمن والاستقرار، وتحديث المجتمع والمؤسسات، مستفيدة من خبرات التجارب السابقة، ومنفتحة على مختلف الأفكار والآراء.
لقد كان فهد الفيصل «جندياً مخلصاً في مشروع إعجازي أسسه وعمل عليه عبد العزيز بن عبد الرحمن»، وفقَ حديثٍ لي مع شخصية سعودية وازنةٍ على معرفة بالراحل، وشاهدة على ما قام به من أدوار مهمة، هو وأخوه الأكبر الأمير عبد الله بن فيصل الفرحان، أول من تولى رئاسة «الحرس الوطني» بعد تأسيسه عام 1954.
لقد كان هؤلاء جنوداً أوائل، آمنوا بأنَّ الدولة الحلمُ يمكنها أن تتحقق، وأن العزيمة والتخطيط والالتفاف حول القيادة، مقرونة بالعلم والعمل الدؤوب وبُعدِ النظر، ستحولُ الترابَ إلى تبرٍ، وهذا ما حصل بعد ما تم اكتشاف النفط، واستفيد من موارده الكبيرة في تشييد البنية التحتية والطرقات والجامعات والمستشفيات، وبناء المشاريع الاقتصادية، وأيضاً ابتعاث السعوديين للتعلم واكتساب الخبرات في الجامعات العربية والأجنبية.
كتبٌ كثيرة يمكن أن يتلمس منها القارئ التأريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي للمملكة، قبل توحيدها وبعدها، وكان من أجملها كتاب - أهدتني إياه شخصية عاشقة للتاريخ، هي لي بمثابة الأب والمعلم - بعنوان «المملكة العربية السعودية كما عرفتها» للدبلوماسي العراقي الراحل أمين المميز، والذي يروي فيه سيرة تعيينه سفيراً لدى المملكة، دوَّن فيها يومياته ومشاهداته دون تنقيح، فجاءت مادةً خام وشهادة على حقبة زمنية، فقد أمضى تجربة اعتبرها ثرية إدارياً وروحياً!
أعود للمكتبة الأثيرة التي زرتها في الرياض، مؤخراً، وأشير إلى كتاب مهم وهو «شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز»، لخير الدين الزركلي، وهو مؤلف في 4 مجلدات، تتبع فيه تفاصيل كثيرة في عهد المؤسس.
هنالك كتب أيضاً مهمة أخرى للزركلي، ولمستشارين مثل يوسف ياسين، وأمين الريحاني... وسواهما، وثّقت لحقب تعود لثلاثمائة عامٍ خلت، وأشارت إلى كيف أن قطاع الطرق وغارات النهب والسلب، شكلت تحديات معيشية، استطاع ملوك وأمراء الدُّولِ السعودية المتعاقبة التعامل معها بحزم، ما حدَّ من نشاط هؤلاء اللصوص، وجعل الناس في نجد ونواحيها وفي طرق قوافل الحج، يبايعون الإمام محمد بن سعود، ومن جاء بعده، لما وفره لهم من أمن كانوا يفتقدونه.
ما سلفَ، وسواهُ الكثيرُ من الأسفارِ التي تمتلئ بها خزائن المخطوطات وأرفف المكتبات الخاصة، علمٌ من الضروريّ أن تقرأه الأجيال الجديدة من السعوديين الذين يحيون بفرح وفخر «يوم التأسيس»؛ لأنَّ هذه المناسبة تتجاوز طابعها الاحتفالي، إلى كونها محطة وطنية محفزة على البحث والقراءة؛ كي تدرك الشابات والشبان أنَّ ما يعيشونه من تنمية وما يشاهدونه من ناطحات سحاب وطرق ومدن حديثة ومراكز علمية وخطط تطويرية طموحة وجيش قوي ومؤسسات دولة مدنية، لم تكن لتبصر النور لولا تضحيات الآباء المؤسسين الأوائل، وأنَّ «رؤية المملكة 2030» هي امتداد للبنة الأولى التي وضعها الإمام محمد بن سعود، ثم أتى عبد العزيز بن عبد الرحمن ليرسخ مدماكها الصلب؛ ولذا، فإكمال هذه المسيرة الوطنية وتطويرها مسؤولية هذا الجيل من السعوديين، الذي عليه أن يحافظ على المكتسبات ويعيها، وألا يكون لطموحهِ حدٌ أو سقف!
نقلاَ عن الشرق الاوسط.