آخر تحديث :الأحد-22 فبراير 2026-01:49ص

لماذا تدعم الولايات المتحدة إسرائيل؟

السبت - 21 فبراير 2026 - الساعة 07:34 م
محمد محسن الجوهري

بقلم: محمد محسن الجوهري
- ارشيف الكاتب


يُعد السؤال عن سر "الحب" أو الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل أحد أكثر الأسئلة تداولاً في منطقتنا العربية. وغالباً ما تنقسم الإجابات إلى تيارين: الأول يرى في "اللوبي الصهيوني" المحرك الأساسي، والثاني يعزوه إلى تيار "المسيحية الصهيونية" المهيمن. ورغم صحة هذه العوامل، إلا أن قراءة المشهد من زاوية "منطق الإمبراطورية" والمصالح الاستراتيجية تقدم تفسيراً أكثر عمقاً وواقعية.

لا يمكن إنكار أن الصهيونية المسيحية تيار ديني وسياسي متجذر في الولايات المتحدة، خاصة داخل الكنائس الإنجيلية البروتستانتية. يعتقد أتباع هذا التيار أن عودة اليهود إلى فلسطين هي ضرورة لاهوتية تمهد لعودة المسيح . ومن المثير للدهشة أن دراسات مركز "بيو" أظهرت أن نسبة الإنجيليين البيض الذين يعتقدون أن الله منح الأرض لليهود (82%) تفوق نسبة اليهود الأمريكيين أنفسهم الذين يؤمنون بذلك، هذا التيار يوفر كتلة تصويتية ضخمة وقدرة تعبوية تجعل نقد إسرائيل مكلفاً سياسياً في الداخل الأمريكي.

بعيداً عن الأساطير الدينية، يتحدث القادة الأمريكيون بلغة المصالح. لعل أوضح مثال هو خطاب جو بايدن الشهير عام 1986، حين قال: "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لوجب على الولايات المتحدة اختراعها للدفاع عن مصالحها في المنطقة" بالنسبة لواشنطن، الدعم السنوي لإسرائيل ليس "صدقة"، بل هو "أفضل استثمار" لحماية النفوذ الأمريكي وممرات الطاقة والتجارة دون الحاجة لإرسال آلاف الجنود والبوارج بشكل دائم .

تاريخياً، لم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل دائماً بنفس القوة. ففي الخمسينيات، كانت واشنطن تخشى أن يؤدي الانحياز المطلق لإسرائيل إلى خسارة الدول العربية لصالح الاتحاد السوفيتي . لكن التحول الجذري حدث بعد حرب 1967، حيث أثبتت إسرائيل قدرتها كـ "عصا غليظة" ومرتكز استراتيجي لمواجهة النفوذ السوفيتي وتأديب القوى الإقليمية المتمردة.

هذا السلوك ليس فريداً تجاه إسرائيل؛ فالولايات المتحدة تتبع نفس النمط في مناطق أخرى. فكما تمتلك إسرائيل في الشرق الأوسط، لديها اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان في شرق آسيا كقواعد متقدمة للهيمنة. إنها "بنية الإمبراطورية" التي بدأت منذ مبدأ "مونرو" عام 1823، والذي اعتبر نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ حصرية لواشنطن .

إن حصر الدعم الأمريكي في الزاوية الدينية فقط يعفينا من عناء تحليل "بنية القوة". الصهيونية المسيحية واللوبيات هي أدوات تسهيل وتعبئة، لكن "المحرك الحقيقي" هو مشروع الهيمنة العالمي. إسرائيل، وفق هذا المنظور، هي "نتيجته" وليست "سببه"؛ فهي "القلعة المتقدمة" في قلب منطقة حيوية، ترتبط بواشنطن عبر خيوط الغلظة العسكرية، ومسارات التسليح، وحركة المال، وليس فقط عبر صفحات الكتب المقدسة .

لفهم هذا التحالف، يجب ألا نكتفي بمراقبة منابر الكنائس، بل علينا قراءة خرائط القواعد العسكرية، ومعاهدات الدفاع، ومسارات الطاقة؛ فهناك يكمن الحبل السري الحقيقي الذي يربط واشنطن بتل أبيب.