آخر تحديث :الثلاثاء-24 فبراير 2026-03:27م

الجهل بوصفه أداة سياسية لإعادة إنتاج الانهيار ..

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 02:47 م
مدين محسن

بقلم: مدين محسن
- ارشيف الكاتب



گتب: مدين محسن محمد

گاتب واديب يمني



حين نتأمل في سقوط الأوطان، غالبًا ما نُرجع الأسباب إلى الخارج: احتلال، مؤامرة، حرب، حصار. غير أن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن العامل الحاسم لا يكون خارجيًا بقدر ما يكون داخليًا. فالدول لا تنهار فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين يُهزم وعيها الجمعي، ويُعاد تشكيله بما يخدم بقاء السلطة لا بقاء الوطن.


الجهل، في هذا السياق، ليس حالة عفوية أو قدرًا تاريخيًا، بل قد يتحوّل إلى أداة سياسية مُنتَجة ومُدارة. فالأنظمة غير الديمقراطية لا تخشى الجيوش بقدر ما تخشى العقول النقدية. ولهذا فإن أول ما يُستهدف هو التعليم الحر، والإعلام المستقل، ومنابر التفكير. إذ إن المجتمع الذي يُتقن السؤال، يصعب قيادته بلا مساءلة.


سياسيًا، يمكن فهم الجهل كجزء من «اقتصاد السلطة»؛ حيث يُعاد توزيع المعرفة كما تُعاد توزيع الثروة. فالمعلومة تُحتكر، والخطاب يُوجَّه، والتاريخ يُعاد تأويله بما يخدم السردية الرسمية. وفي هذه البيئة، لا يُطلب من المواطن أن يفهم، بل أن يصفّق؛ لا أن يشارك، بل أن يطيع.

هنا يتجلى الجهل المركّب بأخطر صوره: حين يعتقد الجمهور أنه يملك الحقيقة الكاملة، بينما هو في الواقع يتلقّى نسخة منتقاة منها. تتحول السياسة إلى شعارات، ويُختزل الوطن في زعيم، وتُختزل المواطنة في ولاء. وعندما تُختزل الدولة في شخص، يصبح نقده خيانة، ومساءلته خروجًا عن الصف.


إن أخطر ما يفعله الجهل السياسي أنه يُنتج «شرعية عاطفية» بدلاً من الشرعية القانونية. فبدلاً من أن تستمد السلطة مشروعيتها من عقد اجتماعي واضح ومؤسسات فاعلة، تستمدها من تعبئة مستمرة تقوم على الخوف أو الهوية أو العداء للآخر. وهنا يتحول الصراع السياسي إلى صراع وجودي، لا يقبل التعدد ولا يعترف بالاختلاف.

وليس أدلّ على ذلك من تجارب تاريخية عديدة شهدت صعود أنظمة شمولية اعتمدت على تعبئة الجماهير عبر الدعاية المنظمة، كما حدث في عهد أدولف هتلر في ألمانيا، حيث استُخدم الإعلام والتعليم لإعادة تشكيل وعي جماعي قائم على التفوق القومي وإقصاء الآخر. لم يكن السلاح وحده هو ما صنع الكارثة، بل إعادة هندسة العقل الجمعي.


وفي السياق المعاصر، لا تُمارس السيطرة دائمًا بالقمع المباشر، بل بإغراق الفضاء العام في ضجيج المعلومات الموجّهة. فبدل أن يُمنع الناس من الكلام، يُسمح لهم بالكلام في مساحات لا تُنتج أثرًا سياسيًا حقيقيًا. وهكذا يُستبدل الفعل السياسي الفاعل بنقاشات سطحية تُفرّغ الغضب دون أن تُغيّر الواقع.

إن الجهل السياسي لا يدمّر الوطن دفعة واحدة، بل يستنزفه تدريجيًا. يضعف المؤسسات عبر تعيين غير الأكفاء على أساس الولاء، ويُقوّض مبدأ تكافؤ الفرص، ويُهمّش الكفاءات المستقلة. ومع الوقت، تتحول الدولة إلى شبكة مصالح ضيقة، ويُختزل الصالح العام في بقاء النخبة الحاكمة.


في هذا السياق، تصبح العبودية السياسية أكثر تعقيدًا من العبودية التقليدية. فهي لا تقوم على امتلاك الجسد، بل على تشكيل الوعي بحيث يقبل الخضوع طواعية. المواطن لا يُجبر فقط على الطاعة، بل يُقنع بأن طاعته فضيلة، وأن التضحية بحقوقه ضرورة وطنية.


غير أن التاريخ يُظهر أن المجتمعات التي تستثمر في الوعي السياسي—من خلال تعليم نقدي، وإعلام حر، وقضاء مستقل—تملك قدرة أعلى على الصمود أمام الأزمات. فالقوة الحقيقية للدولة لا تُقاس بعدد دباباتها، بل بمتانة مؤسساتها، وشفافية إدارتها، وقدرة مواطنيها على المشاركة الواعية في صنع القرار.



إن المعركة الأعمق في أي وطن ليست بين جيشين، بل بين وعيين: وعي يسعى إلى تمكين المواطن، ووعي يسعى إلى تدجينه. الأول يبني دولة قانون، والثاني يبني دولة أشخاص. الأول يُراكم الثقة، والثاني يُراكم الخوف.

وعليه، فإن مقاومة الجهل ليست مهمة ثقافية فحسب، بل مشروع سياسي بامتياز. إنها تبدأ بإعادة الاعتبار للعقل، وبفصل الوطن عن الأشخاص، وبترسيخ مبدأ أن الولاء الحقيقي ليس للأفراد، بل للقيم والمؤسسات. فالوطن الذي يُبنى على وعي حرّ، يصعب استعباده. أما الذي يُبنى على جهل منظّم، فإنه يحمل في داخله بذور انهياره، حتى وإن بدا قويًا في الظاهر.