آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-07:05ص

توشيبا ... من الريادة إلى الزوال

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 12:30 ص
عبدالناصر صالح ثابت

بقلم: عبدالناصر صالح ثابت
- ارشيف الكاتب


يقال إن القلاع لا تُفتح من الخارج، بل تُسلَّم من الداخل. وفي عالم الاقتصاد، كانت شركة توشيبا

(Toshiba) ذلك البطل الذي لم يهزمه منافسوه بقدر ما هزمته أخطاؤه الداخلية.


لم تكن توشيبا مجرد شركة تبيع تلفزيونات وحواسيب، بل كانت تجسيداً حياً لمعجزة اليابان الاقتصادية؛ ذلك العنقاء الذي نهض من رماد الحرب العالمية الثانية ليصنع إمبراطورية صناعية يُضرب بها المثل. منتجاتها ملأت البيوت والمصانع ومشاريع الطاقة، وظل اسمها لعقود مرادفاً للجودة اليابانية الصارمة التي يصعب منافستها.


غير أن السقوط المدوي يبدأ من الداخل أولاً. ففي عام 2015 انفجرت الفضيحة التي هزّت أركان الشركة: الأرباح التي أعلنتها لسنوات كانت مضخّمة، وتبيّن أن نحو 1.2 مليار دولار جرى تضخيمها بين 2008 و2014. لم تكن المشكلة مجرد أرقام، بل ثقافة إدارية تضغط لتحقيق النتائج بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الحقيقة نفسها. وعندما انكشف التلاعب، انهارت الثقة، واستقالت القيادات، وبدأت المؤسسة تفقد ت

ماسكها من الداخل.


وقبل أن تلملم توشيبا جراحها، جاءت الضربة الأقسى من قطاع الطاقة النووية. ففي لحظة طموح غير محسوب، راهنت على المستقبل عبر الاستحواذ على شركة ويستنغهاوس إلكتريك الأمريكية المتخصصة بالمفاعلات النووية. لكن المشاريع تعثرت، والتكاليف تضخمت، والتأخيرات التنظيمية تزايدت، لتتحول الصفقة إلى عبء مالي هائل سجّل خسائر قاربت ستة مليارات دولار، وأطاح بحقوق المساهمين. وكأن الطموح حين يتجاوز القدرة يتحول إلى فخ قاتل.


ولإنقاذ ما تبقى، بدأت عملية تفكيك مؤلمة. باعت توشيبا بعض أهم وحداتها الصناعية وكأنها تضحي بأعضاء من جسدها حفاظاً على بقية الروح. قطاع الأجهزة الطبية ذهب إلى شركة كانون (Canon)، بينما تحولت بعض منتجاتها الاستهلاكية إلى علامات تُصنّع خارج اليابان وتحمل اسمها فقط. وفي ديسمبر 2023 خرجت الشركة من بورصة طوكيو بهدوء بعد 74 عاماً من الإدراج، كجندي مخضرم يغادر ساحة المعركة بصمت.


قصة توشيبا لا تقف عند حدود الاقتصاد، بل تمتد د

روسها إلى السياسة والإدارة العامة. فغياب الشفافية يصنع وهماً بالقوة، والضغط المستمر لتحقيق النتائج بأي ثمن يخلق بيئة تسمح بتشويه الحقائق، والغرور المؤسسي قد يعمي حتى أعرق الكيانات عن رؤية الخطر. وكما سقطت شركات حين عاشت على أمجاد الماضي، فإن الدول قد تواجه المصير ذاته إذا تجاهلت الإصلاح وتأخرت في قراءة التحولات.


ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه القصة على كل مؤسسة وكل دولة:

هل ما زلت تقود المستقبل بعينين مفتوحتين… أم أنك تعيش في قصر من أمجاد الماضي، بينما الأرض تتبدل تحت قدميك ببطء؟