آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:03ص

احتفال بالقدوم وواقع الاغتراب

الأربعاء - 18 فبراير 2026 - الساعة 11:31 ص
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


تباين المشاعر في رمضان يأتي شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه فيضاً من البهجة والروحانية للأمة الإسلامية، حيث تتجه القلوب نحو العبادة والتراحم والاجتماعات العائلية الدافئة. هذا الاحتفال الجماعي الموحد، الذي يتجسد في طقوس الإفطار والسحور والقيام، يشكل رابطاً اجتماعياً قوياً. ومع ذلك، وفي خضم هذا المد الاحتفالي، تبرز أصوات وأحاسيس مغايرة، أصوات تعكس واقعاً مؤلماً من الغربة والاغتراب والتشرد والضياع، حيث يجد المرء نفسه معزولاً عن هذا التيار الاحتفالي العام. إن التباين الصارخ بين بهجة القادمين وحزن الغرباء يشكل مرآة تعكس تعقيدات التجربة الإنسانية المعاصرة، خاصة لمن هم خارج أوطانهم أو بعيدون عن جذورهم.


إن الاحتفال بقدوم رمضان يعتمد بالدرجة الأولى على الإطار الاجتماعي والمكاني. بالنسبة للكثيرين، رمضان هو مرادف للألفة والأهل والوطن. هو شهر تكتمل فيه الدائرة الاجتماعية، ويتم فيه استعادة الروابط التي قد تكون ضعفت بفعل انشغالات الحياة اليومية. هذا الجو المشترك يخلق إحساساً عميقاً بالانتماء والأمان. عندما يحل هذا الشهر، تتضاعف المظاهر المادية لهذه الألفة: الموائد المزدحمة، أصوات التكبير والتهليل المتبادلة بين الجيران، والشعور العام بالاحتفاء المشترك.


في المقابل، يقف المغترب أو المشرد أو الضائع أمام هذا المشهد كمتفرج أجنبي. الغربة ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي انقطاع عن السياق الثقافي والاجتماعي الذي يغذي الاحتفال الرمضاني الأصيل. بالنسبة للمغترب، قد يتحول الإفطار الذي هو رمز للجمع إلى وجبة صامتة يتناولها وحيداً، أو مع مجموعة من الغرباء الذين يتقاسمون نفس المصير المؤقت. هذا التباين يخلق ما يمكن تسميته صدمة الاحتفال حيث يكون الضجيج السعيد للآخرين بمثابة تذكير مرير بالصمت الذي يحيط بالفرد. إن افتقاد الروائح المألوفة، والأصوات المريحة للعائلة، والتفاصيل الصغيرة التي تشكل طقوس رمضان في البيت، يجعل الاحتفال يبدو مجرداً وخالياً من روحه الحقيقية.


أما حالة التشرد والضياع، فهي تمثل مستوى أعمق من الانفصال. الشخص الذي يفتقد مأوى أو وطناً أو هوية واضحة يجد نفسه في سباق يومي للبقاء، لا مجال فيه للتأمل الروحي العميق الذي يدعو إليه الشهر الفضيل. رمضان بالنسبة للمشرد قد لا يعني بداية شهر للعبادة والصفاء، بل يعني مزيداً من التحديات اللوجستية: أين سيصلي؟ كيف سيحصل على ماء للطهارة؟ وأين سيستريح بعد ساعات الصيام الطويلة؟ هنا، تتحول الروحانية المفترضة إلى صراع عملي. يصبح الاحتفال الجماعي للآخرين تذكيراً قاسياً بالهشاشة المطلقة لوجوده. هذا الضياع قد يكون مادياً، كما هو الحال مع اللاجئين والنازحين، أو قد يكون ضياعاً وجودياً ونفسياً، حيث يشعر الفرد بالانفصال عن قيمه وأهدافه في خضم مجتمع لا يفهم معاناته.


إن ظاهرة الاغتراب، لا سيما في سياقات الهجرة القسرية أو هجرة الكفاءات، تزيد من حدة هذا التباين. المغترب قد يكون ناجحاً مادياً، ولكنه يعاني من فقدان الأفق الجمعي هو يشارك في الاحتفالات الخارجية لكنه يفتقد الاحتفال الداخلي المتجذر في الذاكرة والهوية. عندما يحتفل الناس بعودة أبنائهم المهاجرين للأعياد، يجد المغترب نفسه مضطراً للاحتفال بمرور عام آخر بعيداً، أو يضطر لتقبل عزاء محدود عبر مكالمات فيديو لا تستطيع أن تعوض دفء اللمسة أو قرب الجسد. هذا الشعور بالاحتفاء بالذات في مواجهة الاحتفاء العام بالانتماء يخلق جرحاً مزدوجاً.


ولكن، يجب النظر إلى هذه المعادلة من زاوية أخرى لا تخلو من الأمل والتكيف. ففي خضم هذا الاغتراب، يجد البعض مساحة لإعادة تعريف الاحتفال. إن الغربة القسرية قد تجبر الإنسان على اكتشاف قوة داخلية لم يكن ليعرفها في كنف مجتمعه الأصلي. الاحتفال بـالنجاة أو الاستمراريصبح شكلاً من أشكال العبادة. قد يتحول الإفطار الوحيد إلى فرصة للتأمل العميق غير المشوش بضوضاء التجمعات الكبيرة. إن هذا التحدي يولد نوعاً جديداً من الروحانية، روحانية متينة مبنية على الإرادة والتحمل، وليست مجرد استجابة للتلقين الاجتماعي.


يظل قدوم رمضان وقتاً لتضارب المشاعر. هو وقت يتأكد فيه البعض من سلامة تواجدهم وانتمائهم، بينما يواجه فيه آخرون حقيقة ضياعهم أو اغترابهم. إن هذا التباين ليس مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هو انعكاس للظروف العالمية الراهنة التي خلقت جيوشاً من المفقودين والمنفيين. الاحتفال الحقيقي برمضان لا يكمن فقط في الإفطار المبهج، بل في القدرة على رؤية الألم في قلب الاحتفال، وفي مد يد العون لمن يجدون أنفسهم في مواجهة هذا الشهر وهم يحتفلون بصبرهم على غربتهم وتشرد آمالهم، بدلاً من الاحتفال بقدوم الخير في أمان ودفء. إن تحويل هذا التباين المؤلم إلى دعوة للعمل الإنساني هو الارتقاء الأسمى بهذا الشهر المبارك.