آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-11:39ص

الحكومة اليمنية والتحدي الأكبر.. من دور التوسل إلى دور الإنتاج والشراكة

الأربعاء - 18 فبراير 2026 - الساعة 10:38 ص
د.شادي خصروف


ويبقى التحدي الاقتصادي هو الاختبار الأصدق والأكثر حساسية لكفاءة وصلابة أي حكومة، وهو المجال الذي تتقاطع فيه الوطنية الحقة مع الخبرة والكفاءة والنزاهة، والسياسة مع الأخلاق والمصداقية. فالتضخم، وتدهور العملة، واختلالات القطاع المصرفي، ليست مجرد أزمات تقنية، بل مؤشرات على تراكمات من غياب الكفاءة والنزاهة والإرادة وتشتت القرار.

من جهة أخرى فإن أي حكومة وطنية يفترض أن تستوعب أن الدعم السعودي المقدم لليمن ليس مورداً دائماً، ولا يمكن التعامل معه بوصفه بديلًا عن حسن تجميع وتنمية وتنظيم موارد الدولة، بل (أعني الدعم السعودي) فرصة تاريخية لإعادة بناء القدرة الذاتية قبل أن يتحول اليمن إلى عبء أخلاقي وسياسي واقتصادي منهك لمن حوله.

إن المعالجة الفعالة لهذه التحديات تتطلب برنامجاً إنقاذياً واضح المعالم، يقوم على قوة الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وربط السياسات بأطر زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، والقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية إنقاذية فعالة ولو كانت غير شعبية. غير أن السؤال يبقى: هل ستتمكن هذه الحكومة بقوامها هذا وتعدد أطرافها، أن تقوم بفرض قرارات غير شعبية ضرورية وتتضامن لتحقيقها! أم أن التشاكس والمزايدة والابتزاز السياسي ستتسيد المشهد.

ما ينتظره الناس -في تقديري- من رئيس الحكومة الدكتور شايع محسن الزنداني وفريقه الحكومي الذي لا يخلو من كفاءات وشخصيات محترمة أن يكون حاسماً في سد ثغرات ومنافذ الفساد والإهدار، وأن يعمل على:

- محاصرة والحد من سياسات تبديد الدعم في بلاعة الرواتب الدولارية الحكومية والدبلوماسية بدون حساب المردود والعواقب، وأن يُوجّه كل ريال وكل دولار ممكن إلى إعادة تشغيل مصادر الثروة الحقيقية التي يملكها اليمن ولا يستثمرها كما ينبغي، وعلى رأسها إعادة تأهيل وتشغيل حقول النفط والغاز ووقف العبث بها وتعطيلها، وربط عائداتها مباشرة بالخزينة العامة الموحدة، بالإضافة لتنشيط قطاع الاستكشافات والتعدين (بما فيها الذهب) بوصفه مورداً مؤكداً وواعداً ما زال معطلاً شبه كلياً.

- تطوير مشاريع وشراكات عادلة ومنصفة وبناءة لإعادة تأهيل وتشغيل الموانئ الاستراتيجية الكبرى على بحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر، والمنافذ البرية والجوية بكفاءة إدارية ومالية حديثة وتعزيز أساطيل النقل وتحديثها، وربط كل هذا بنظام تحصيل موحد وشفاف ومنصف وجاذب.

- الشروع فوراً في إجراءات تحرير واستعادة قطاع الاتصالات، وتطوير بنيته التحتية، وتحويله إلى مصدر دخل سيادي مستدام ناهيك عن أهميته الأمنية الحاسمة في معركة المصير.

- تطوير مشاريع وشراكات عادلة ومنصفة لاستغلال الثروة السمكية عبر بنية تنظيمية واستثمارية حديثة، تعزز هذا المورد وتضاعف مردوداته.

- وقبل هذا كله ومعه: ضبط القطاع المالي والمصرفي ووضعه تحت المجهر وتحت قوة القانون الصلبة والتعامل الحاسم مع أي عبث باعتباره تهديد استراتيجي وجودي لا يقل خطورة عن الحرب بالمدافع والدبابات.

ومن ثم تجميع كافة الإيرادات العامة في سلة مالية موحدة خاضعة للرقابة والمساءلة الرسمية والشعبية، وإنهاء حالة النزف والتشتت والإهدار، والضرب بيد القانون الغليظة على أيادي المتنفذين الفاسدين.

وبهذا فقط يمكن أن يتحول الدعم السعودي من مسكن مؤقت وعمل اسعافي دوري إلى رافعة تأسيسية، ومن عبء أخلاقي إلى شراكة استراتيجية، وبالتالي يبدأ اليمن بالخروج من موقع الدولة الجارة العبء إلى موقع الدولة الشريكة المفيدة لذاتها ولمحيطها، فاليمن لا تنقصه الموارد -كما يعلم الجميع يقيناً- بل تعوزه (الإدارة الفعالة النزيهة) و(الإرادة الصلبة)، و(الرؤية الواضحة) و(الديناميكية والقدرة على خلق وتوظيف الشراكات المنصفة والبناءة) في سبيل تنمية الموارد المستدامة.