يحدثني صديقي من صنعاء، بصوت يخفي وراءه صمت المدينة الخانق، عن رمضان هذا العام. عن المدينة التي كانت تحتفل بكل روحها قبل سيطرة مليشيا الحوثي، حيث كانت الشوارع تصدح بالزغاريد والطبول، وأصوات المساجد تتنقل من زاوية إلى أخرى في صلاة التراويح، لتغطي كل الأزقة وتجعل القلوب جميعها تنبض بالإيمان والفرح.
الآن، يقول لي: "أستقبل رمضان وأنا أتوجع. أرى المصابيح معلقة بلا حياة، وأصوات المصلين صامتة، والأسواق فارغة. لم يعد هناك زحام، لم يعد هناك ضحك الأطفال، ولم تعد الروائح تعبق من المخابز والمطاعم. كل شيء صامت، كأن المدينة نفسها أصيبت بالشلل."
ويستطرد في وصف وجعه: "كنت أستعد كل ليلة للسحور والإفطار كما اعتدت، أرتدي أفضل ثيابي، وأذهب للمسجد، أستمع لتلاوة القرآن، وأشعر بأن المدينة كلها تتوحد في طقوس رمضان. الآن، كل شيء محجوب عني: صلاة جماعية، أصوات التراويح، ضحكات الجيران، الرواتب مقطوعة، والأسواق خاوية… وكل هذا يجعل قلبي يصرخ صمتاً."
أحد عشر عاماً ونحن نعيش هذا الوجع، رمضان بعد رمضان، حنين لا ينتهي، ألم متواصل، ذكريات تتسرب في كل زاوية من زوايا المدينة. رمضان بالنسبة له لم يعد مجرد صيام وقيام، بل أصبح تجربة وجع وحنين في آن واحد. شهر للتذكر، للتأمل، وللتشبث بما تبقى من حرية الروح، وشهر الألم العميق لما فقدناه: أصوات المساجد، الأسواق المزدحمة، لقاءات العائلة والجيران.
ورغم هذا الوجع الطويل، يظل رمضان رمزاً للصمود الداخلي والأمل. صديقي يعيش ألم المدينة، لكنه يحتفظ بذكرياته، ويحنّ إلى الأصوات التي ستعود، إلى الأسواق التي ستزدهر، وإلى الفرحة التي ستملأ الأزقة. أصبح الحنين وطنه، والألم وسيلة للتمسك بحق العودة، وللتأكيد على أن الروح الحرة لا يمكن قمعها مهما طالت المليشيات.
رمضان هذا العام في صنعاء محتمل الوجع، لكنه أيضاً يحمل لذة الحنين والأمل في العودة، في الحرية، وفي أصوات المساجد والأسواق الضاحكة التي ستعود يوماً إلى صنعاء.