آخر تحديث :الثلاثاء-17 فبراير 2026-08:41م

الكلمة معيار الشرعية

الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - الساعة 01:33 م
سارة عبدالحكيم

بقلم: سارة عبدالحكيم
- ارشيف الكاتب


ليست الصحافة خصمًا للدولة، كما أن السؤال ليس تمردًا. الدولة التي تضيق بالكلمة لا تواجه ورقًا وحبرًا، بل تواجه صورتها حين تنعكس أمامها بلا رتوش. في اللحظات المتوترة، لا تُختبر المؤسسات بالشعارات، بل بقدرتها على احتمال الضوء. فالضوء لا يُضعف الكيانات الواثقة، بل يكشف ما تخشاه فقط.

في الفلسفة السياسية، لم تُعرّف الدولة بقوتها المجردة، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف دون ارتباك. القوة قد تصنع صمتًا، لكنها لا تصنع ثقة. والثقة وحدها هي ما يمنح الشرعية عمرًا أطول من القرارات. كل إجراء ضد الكلمة يُقرأ خارج سياقه؛ لا بوصفه حادثة عابرة، بل بوصفه مؤشرًا. والمؤشرات حين تتراكم، تتحول إلى سردية. والسرديات أخطر من أي مقال.

ليست القضية دفاعًا عن صحيفة بعينها، ولا هجومًا على جهة بعينها. القضية أوسع: هل نريد دولة تحتمي بالقانون أم دولة تحتمي من الكلمة؟ الفرق بينهما ليس لغويًا، بل وجودي. فالدولة الواثقة ترد بالحجة، أما المرتبكة فترد بالفعل. الأولى تبني شرعية، والثانية تؤجل سؤالها.

المدن لا تنهار حين تُكتب ضدها مقالات، بل تنهار حين تفقد قدرتها على تصحيح نفسها. وهيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض الصمت، بل بقدرتها على الاستماع دون انفعال. الهيبة التي تحتاج إلى إسكات الآخرين ليست هيبة، بل هشاشة مقنّعة بالقوة.

التاريخ لا يسجل عدد الأصوات التي أُسكتت، بل يسجل لماذا خافت السلطة من صوت واحد. الشرعية ليست امتيازًا دائمًا، بل امتحانًا مستمرًا. والامتحانات لا تُجتاز بالقوة، بل بالثقة.

وهنا، لا نطالب بامتياز، ولا نمنح صكوك براءة. نحن فقط نعيد تعريف المعادلة: الكلمة ليست تهديدًا للدولة، بل معيارًا لصلابتها. ومن يخاف المعيار، يعترف ضمنًا بضعف ما يُقاس.


— ساره عبد الحكيم

الشرعية لا تُفترض… تُثبت.

17 فبراير