أهلًا بك يا شهر الرحمة حين تضيق الصدور ويا موسم المغفرة حين تثقلنا الذنوب، ويا نسمة الطمأنينة التي تهبّ على القلوب المتعبة فتنعشها من جديد.
تأتي كل عام وكأنك رسالة سماوية تقول لنا ما زال في العمر متسع، وما زالت أبواب السماء مفتوحة، وما زال الأمل حيّا في صدور من أثقلتهم العثرات.
في زحمة الحياة وتحت وطأة الهموم قد ينسى الإنسان نفسه، ويبتعد قليلًا أو كثيرا عن طريق الطمأنينة تتراكم الأيام، وتتزاحم الأخطاء، حتى يظن البعض أن المسافة قد طالت بينه وبين ربه لكنك يا رمضان تعيد ترتيب العلاقة، وتذكر القلوب بأن الرجوع إلى الله ليس طريقا شاقا، بل هو أقصر الطرق إلى السلام الداخلي.
فيك نتعلم أن التوبة ليست اعترافا بالهزيمة بل إعلان انتصار على النفس وأن الدموع في جوف الليل ليست ضعفا، بل شجاعة روح قررت أن تتحرر من أثقالها فيك يتساوى الناس على موائد الدعاء، وتصفو النفوس حين تمتد الأيدي خاشعة، وتلين القلوب حين تتلى الآيات في سكون السحر.
رمضان ليس مجرد أيام نصومها ولا ليالٍ نحييها، بل هو مدرسة إيمانية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل يعلمنا الصبر حين نجوع، ويغرس فينا الرحمة حين نشعر بحاجة الآخرين، ويذكرنا بأن الدنيا مهما اتسعت فهي زائلة، وأن الباقي هو ما نقدمه من خير، وما نزرعه من أثر طيب.
فطوبى لمن استقبله بقلب صادق لا بقائمة عادات فقط طوبى لمن جعله محطة مراجعة لا موسما عابرا، وبداية تغيير لا لحظة مؤقتة طوبى لمن فهم أن أعظم ما في رمضان ليس امتلاء الموائد، بل امتلاء القلوب بالنور.
رمضان فرصة لا تعوض فمن الخسارة أن يمر بنا كما مر بغيرنا دون أن يترك فينا أثرا اجعلوه نقطة تحول، وصفحة جديدة وقرارا صادقا بأن يكون ما بعده أفضل مما قبله اجعلوه بداية لقلب أقرب إلى الله، ولسان أصدق ونفس أصفى من كل ذنب.
أهلًا بك يا رمضان… جئت لتوقظ فينا ما كاد ينام، وتفتح لنا أبواب السماء فاجعلنا ممن عرف قدرك، واغتنم أيامك وخرج منك بقلب وُلد من جديد.