آخر تحديث :الأربعاء-18 فبراير 2026-01:48ص

‏لا يستطيع الجنوب فك الارتباط بقرار أحادي.

الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - الساعة 08:36 ص
نشوان العثماني

بقلم: نشوان العثماني
- ارشيف الكاتب


‏في القانون الدولي العام، أي انفصال أحادي عن دولة معترف بها يعد مساسا بالسيادة الإقليمية. (حتى مع كون الجنوب دولة مستقلة سابقا، فإن الوحدة الاندماجية عام 1990 ألغت شخصيته القانونية السابقة وأذابته داخل دولة واحدة. والخطأ التاريخي تمثل في الدخول إلى وحدة بلا ضمانات وبلا خط رجعة.)


‏مبدأ وحدة أراضي الدول ركيزة أساسية في ميثاق الأمم المتحدة، وتجاوزه يمر حصرا عبر تسوية تفاوضية تنتج ترتيبا قانونيا جديدا يحظى بقبول الأطراف المعنية أو بشرعية دولية صريحة.


‏إعلان الانفصال دون موافقة السلطة السيادية المعترف بها دوليا يضع الكيان الجديد خارج منظومة الاعتراف، ويحوله إلى حالة معلقة قانونيا مهما امتلك أي سيطرة ميدانية من نوعا ما.


‏السوابق الدولية تؤكد هذا المسار، وعلى سبيل المثال لا الحصر:


‏- جنوب السودان وإريتريا تحولا، بعد كفاح طويل ومرير، إلى دولتين عبر اتفاقات تضمنت اعترافا مسبقا بحق تقرير المصير واستفتاءات بإشراف دولي، فتحول الواقع العسكري إلى شرعية قانونية فورية.


‏- في المقابل، إعلان كتالونيا الأحادي قاد إلى عزلة كاملة، وكوسوفو ما تزال تعاني نقص الاعتراف بسبب غياب التسوية مع صربيا، بينما بقيت أرض الصومال كيانا مستقرا داخليا ومعلقا خارجيا لعقود.


‏في الحالة اليمنية يمثل مجلس القيادة الرئاسي المركز القانوني للدولة المعترف بها دوليا، بينما تظل صنعاء العاصمة السيادية للدولة اليمنية رغم وقوعها تحت سلطة انقلابية. والقانون الدولي يتعامل مع استمرارية الدولة رغم كل المتغيرات. فأي مشروع انفصال يتجاوز مسألة استعادة السيطرة الحكومية على العاصمة وعلى كامل النطاق السيادي للدولة ينتج كيانا معلقا بين واقع سياسي وفراغ قانوني.


‏استعادة صنعاء تعني إنهاء الانقلاب بأي مسار يؤدي إلى عودة الدولة اليمنية لبسط سلطتها على كامل إقليمها، وهذا الشرط يفتح الباب لنقاش قانوني جدي حول إعادة تأسيس الدولة أو إعادة تشكيلها. موافقة الجهة السيادية المختصة على أي تسوية قد تأتي عبر تفاوض أو نتيجة توازن قوى جديد. (لأن الشمال من تلقاء ذاته يرفض هذا قطعا، وهو بحاجة إلى ضغط سياسي أو توازن قوى يفرض عليه الدخول في تسوية.)


‏المسألة الجوهرية تتعلق بقدرة إعلان الانفصال على التحول إلى دولة قابلة للحياة. والدول تولد بالاعتراف المتبادل، والاعتراف يعني إدخال الكيان الجديد في شبكة الالتزامات الدولية: حدود، معاهدات، ديون، عضوية وعلاقات دبلوماسية. هذه العملية تمر عبر تسوية تعيد تأسيس الشرعية ضمن إطار تفاوضي معترف به.


‏تأجيل الحسم النهائي إلى ما بعد استعادة صنعاء (أو أي صيغة من إنهاء الانقلاب) يعكس قراءة سياسية واقعية ولا يعني تعليق الفعل السياسي أو العبث به.


‏الأولوية في هذه المرحلة تتركز على الحوار الجنوبي الجنوبي بوصفه عملية تأسيس: بناء رؤية مشتركة، صياغة برنامج موحد، وتحديد سقف تفاوضي واضح.


‏الكيانات التي تصل إلى لحظة الحسم منقسمة تفقد وزنها التفاوضي، بينما تصل الكيانات المنظمة وهي تعرف ما تريد وكيف تفاوض عليه.


‏التحدي أمام الجنوب الآن يتمثل في إنتاج إرادة سياسية موحدة قادرة على التفاوض باسم المجتمع الجنوبي ككل. والمصلحة العليا تقتضي الاتفاق على أرضية صلبة للمطالبة بالحق الجنوبي عبر مسار قانوني ينتهي إلى استفتاء، وربما يمر بمرحلة فيدرالية انتقالية. على أن العائقين المركزيين يتمثلان تقريبا في:

‏- الانقسامات الجنوبية الداخلية،

‏- وتعقيد المسألة الحضرمية بوصفها ملفا سياسيا ربما أصبح، بصيغة ما، قائما بذاته.


‏كل المشاريع الجنوبية يجب أن تكون حاضرة على طاولة الحوار. والتسويات السياسية تدار داخل إطار تفاوضي واضح يحول المطالب إلى برنامج قابل للتنفيذ.


‏وما تبقى مرهون بنضج الوعي السياسي الجنوبي، في ضوء الشوط الذي قطعته القضية الجنوبية، والذي يجعلها أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة الحسم ضمن حل يمني شامل يشكل الجنوب فيه نصف المعادلة السياسية تماما.