همدان العليي
البعض يربط مصير وحدة اليمن بعدد المؤيدين والرافضين لها.. وهذه مقامرة بمصير بلد وملايين من الناس. لأن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بشجاعة هل الانفصال من مصلحة الجنوبيين؟ هل التقسيم من مصلحة الشمال والجنوب معا؟!
من الخطأ الاعتماد على هتافات الجماهير بعد سنوات طويلة من التعبئة والتحريض وصناعة الكراهية بشكل ممنهج ومن خلال استغلال سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
العاطفة غالبا تحرك الجماهير، خصوصا عندما يتم تعبئتها على مدى سنوات بالمظلومية. وهنا يأتي دور النخبة ليضعوا هذا السؤال مقابل الشعارات الشعبوية التي تتجاهل النتائج الاقتصادية والسياسية والعسكرية والمجتمعية لأي خطوة سياسية في اليمن.
اعتدنا في اليمن القفز في الظلام.. قرارات مصيرية تتخذ تحت ضغط الشارع أو السلاح أو الخطاب التعبوي، وينتهي الأمر بثمن باهض ندفعه طوال عقود.
أُنجزت الوحدة اليمنية بمنطق الشعارات والعاطفة، لا بمنطق الأسس المؤسسية والعلمية ككثير من الدول، فكانت النتيجة ما نراه اليوم من أزمات وانفجارات.
والسؤال المنطقي الذي يجب أن نطرحه الآن.. كيف سيكون الحال إذا سرنا في طريق الانفصال والتفكيك بعد ستة وثلاثين عاما وبالمنهج العاطفي الاندفاعي نفسه؟!
لا يصح الدفاع عن "الانفصال" بحجة "إرادة الجماهير"، لأن التاريخ مليء بأمثلة لدول كبيرة رفضت تقسيم نفسها رغم رغبة كثير من الجماهير، لأن العقلاء وصناع القرار أدركوا أن التقسيم لا يخدم إلا فئة محدودة ويضر الغالبية. وهذا الادراك بطبيعة الحال ناتج عن دراسات وقراءات ودراسات وليس شعارات جماهيرية.
ما حدث في جنوب السودان مثال واضح لنتائج سياسة "القفز في الظلام". انفصل بعد حرب قاربت نصف قرن، وكان يملك نحو 70% من موارد وثروات السودان، وظن كثيرون أن الانفصال سيحوله إلى دولة مزدهرة وشعب ثري. ماذا كانت النتيجة؟ اليوم تصنف دولة جنوب السودان كأفقر دولة في العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي، رغم امتلاكه موارد طبيعية ضخمة.
ولهذا نقول إن القرارات المصيرية لا تتخذ بالهتافات والشعارات، بل بالحسابات الواضحة والدراسات العلمية للمصالح والتكاليف والمخاطر.
دعونا نتجاهل السؤال الجدلي الذي لم نستطع الإجابة عليه منذ أكثر من عقدين.. اقصد: هل يمكن الانفصال أم لا؟
ويجب علينا أن نسأل أنفسنا اليوم ما هي إيجابيات التقسيم وسلبياته؟ ما الفائدة للشمال والجنوب والشرق؟ ما هي المشكلات التي ستواجهنا في اليوم التالي؟!
سألت الذكاء الاصطناعي.. ما التحديات التي ستحدث في اليوم التالي لتقسيم اليمن؟
فكانت الخلاصة أن التقسيم تأسيس لمشكلات أخرى طويلة الأمد.. ولهذا أقول وأكرر: تكلفة إصلاح وضع اليمن ضمن دولة الوحدة بمساعدة الأشقاء في المملكة العربية السعودية، أقل بكثير من تكلفة تقسيم اليمن.
تابعوا بعض (وليس كل) المشكلات التي ستحدث كنتيجة طبيعية للتقسيم.. بحسب الذكاء الاصطناعي:
أولًا: المشكلات السياسية والسيادية (الظاهرة)
نزاعات حدود برّية
أين يمر الخط؟ على أي أساس؟ إداري؟ تاريخي؟ قبلي؟
قرى ومديريات مختلطة ستتحول إلى بؤر توتر مزمن.
تقاسم الشرعية والاعتراف الدولي
من يعترف بمن؟ متى؟ وبأي شروط؟
احتمال استخدام الاعتراف كورقة ابتزاز سياسي واقتصادي.
تفكك المؤسسات السيادية المشتركة
البنك المركزي، الطيران المدني، الموانئ، الجمارك، الاتصالات…
كل ملف يحتاج إعادة تأسيس، تفاوض، وصراع نفوذ.
ملف التمثيل الدبلوماسي
من يرث السفارات؟ الأصول؟ الديون؟ الالتزامات؟
نزاعات قانونية طويلة في المحاكم الدولية.
ثانيًا: المشكلات الأمنية والعسكرية (المتوقعة)
ترسيم حدود عسكرية ساخنة
كل انقسام تقريبًا في العالم خلق “جبهة تماس” جديدة.
سباق تسلّح حدودي بدل بناء دولة.
انقسام الجيش والأمن
من يأخذ أي وحدات؟ أي سلاح؟ أي قواعد؟
خطر تحوّل الانقسام إلى صدام مسلح داخل المعسكرات نفسها.
تحوّل الحدود إلى ملاذ للتهريب والجماعات المسلحة
سلاح، بشر، مخدرات، تهريب نفط، تهريب آثار.
كل دولة تتهم الأخرى برعاية الفوضى.
تدويل الأمن
ممرات بحرية، باب المندب، خليج عدن: تدخلات وضغوط دولية مباشرة.
ثالثًا: المشكلات الاقتصادية (التي يتوقعها الناس)
انهيار السوق الواحدة
قيود جمركية، رسوم عبور، تعطّل سلاسل التوريد.
ارتفاع الأسعار في الطرفين.
تقاسم الثروة والموارد
نفط، غاز، موانئ، ضرائب، جمارك.
صراع: من يملك ماذا؟ ومن يدفع لمن؟
العملة والبنك المركزي
عملة واحدة أم عملتان؟
ديون؟ احتياطي؟ تضخم؟ انهيارات متبادلة.
هروب الاستثمارات والمساعدات
لا أحد يستثمر في بيئة انفصال ونزاعات سيادية مفتوحة.
رابعًا: المشكلات الاجتماعية والمجتمعية (الخطيرة)
تمزيق النسيج الاجتماعي
عائلات مختلطة، مصالح، مصاهرة، تجارة بين الشطرين.
فجأة يتحول الناس إلى “أجانب” أو “مشتبه بهم”.
قضايا الجنسية والإقامة
من هو مواطن أين؟
ماذا عن ملايين الناس الذين يعيشون أو يعملون في “الطرف الآخر”؟
خطاب الكراهية والتعبئة المتبادلة
كل أزمة اقتصادية أو أمنية ستُفسَّر على أنها “مؤامرة من الطرف الآخر”.
هجرة ونزوح جديد
خوف، تضييق، بطالة، توتر حدودي → موجات نزوح داخلية وخارجية.
خامسًا: المشكلات القانونية والإدارية (التي لا ينتبه لها كثيرون)
تقاسم الأرشيف والوثائق والسجلات
ملكيات، أراضي، عقود، شهادات، سجلات تجارية ومدنية.
كابوس قانوني وإداري لسنوات.
الديون والالتزامات الدولية
من يسدد ماذا؟ وبأي نسبة؟
خطر عقوبات أو تجميد أصول.
القوانين المتضاربة
أي قانون يُطبّق على العقود القديمة؟
ماذا عن الأحكام القضائية السابقة؟
انقسام شبكات الخدمات
كهرباء، اتصالات، مياه، موانئ، مطارات، كابلات، أنابيب.
كل شبكة تحتاج إعادة ترسيم واتفاقات عبور ورسوم.
سادسًا: المشكلات المائية والبيئية (التي تُستهان عادة)
تحوّل الأحواض المائية إلى نزاعات سيادية
علاقة “دولة منبع / دولة مصب” في أحواض مثل: بَنا، تُبَن، أَحوَر، وأحواض شبوة وحضرموت.
أي سد صغير أو توسع زراعي قد يُفسَّر كتهديد وجودي للطرف الآخر.
المياه الجوفية العابرة للحدود
استنزاف صامت، اتهامات متبادلة، لا يمكن إثباته بسهولة.
نزاعات طويلة وبطيئة الاشتعال.
التلوث البيئي العابر للحدود
ما يُرمى في الأعلى يصل للأسفل: صرف، مبيدات، نفايات.
سابعًا: المشكلات البحرية والجوية (التي يغفلها أغلب الناس)
ترسيم الحدود البحرية
صراع على الصيد، الموانئ، الموارد البحرية، النفوذ البحري.
السيادة الجوية وإدارة الأجواء
تقسيم المجال الجوي، مسارات الطيران، رسوم العبور، سلامة الملاحة الجوية.
أي خلاف سياسي قد يتحول إلى إغلاق أجواء أو ابتزاز اقتصادي.
الموانئ والمضائق والملاحة الدولية
باب المندب وخليج عدن سيصبحان ملفًا دوليًا ضاغطًا، لا شأنًا داخليًا.
ثامنًا: المشكلات “غير المرئية” لكن المدمّرة
تحوّل كل ملف تقني إلى ملف أمني
المياه، الكهرباء، الطرق، التجارة… كلها تُسيَّس وتُؤمَّن وتُعسكَر.
إعادة إنتاج دولة ضعيفة في الطرفين بدل دولة واحدة ضعيفة
ضعف مؤسسي مضاعف، لا قوة مضاعفة.
اقتصاد حدودي طفيلي
تهريب، ابتزاز، جمارك فاسدة، مليشيات حدودية.
دوامة لا تنتهي من “الأزمات الثنائية”
كل أزمة داخلية في أي طرف يُلقى بها على الطرف الآخر.