آخر تحديث :الإثنين-16 فبراير 2026-12:52ص

شعب مرهق ومجتمع دولي جاحد

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 09:59 م
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


مأساة اليمن في مواجهة الصمت العالمي يعيش الشعب اليمني اليوم، مع اقتراب شهر رمضان المبارك أو في أي وقت من العام، حالة من المعاناة المتراكمة التي فاقت كل تصور. إنه شعب منهك، يرزح تحت وطأة حرب طاحنة وتدهور اقتصادي غير مسبوق، يعيش في ظل فقر مدقع ومجاعة حقيقية تهدد ملايين الأرواح. هذه المأساة الإنسانية العميقة، التي تتجلى بوضوح في صنعاء وفي المناطق الجنوبية والشرقية المسماة بالمناطق المحررة على حد سواء، تقابل بصمت دولي خانق يثير الدهشة والاستفهام حول طبيعة القيم الإنسانية التي تحكم المجتمع الدولي المعاصر. إن السؤال الذي يتردد صداه في كل بيت يمني هو: هل من مغيث لهذا الشعب الذي ذاق مرارة الجوع والتشريد والدمار؟


إن الواقع اليمني اليوم هو تجسيد حي لكارثة إنسانية شاملة. ففي العاصمة صنعاء، التي تعاني من حصار وتحديات لوجستية هائلة، يجد المواطنون صعوبة بالغة في تأمين أبسط مقومات الحياة. غياب الدخل، وانهيار قيمة العملة، وارتفاع جنوني للأسعار، كلها عوامل تضيق الخناق على الأسر، مما يدفع بالآباء والأمهات إلى خيارات مستحيلة بين توفير دواء لمريض أو طعام لأسرة كاملة. هذا المشهد لا يقتصر على مناطق النفوذ المسيطر عليها من قبل جهة معينة، بل يمتد ليشمل المناطق الأخرى التي تدعي الشرعية وجودها فيها. حتى في تلك المناطق، يتدهور الوضع المعيشي بشكل مريع، حيث يعتمد السكان على المساعدات المتقطعة وغير الكافية، بينما تتركز الجهود السياسية والعسكرية بعيداً عن تلبية الاحتياجات الأساسية للناس.


تُظهر تقارير المنظمات الدولية باستمرار أن اليمن يمثل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. الملايين يحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة، وملايين الأطفال يواجهون سوء التغذية الحاد الذي يهدد مستقبلهم الصحي والتعليمي. إن المشكلة لم تعد مجرد نقص في الغذاء، بل تحولت إلى فشل بنيوي في الخدمات الأساسية؛ فالكهرباء والماء النظيف والرعاية الصحية تكاد تكون رفاهية لا يمكن الوصول إليها إلا لقلة قليلة. هذا التدهور الشامل هو نتيجة مباشرة للصراع المستمر وللإهمال الدولي المتراكم.


يكمن جزء كبير من المأساة في التجاهل الدولي المتعمد أو غير المتعمد. فبينما يتم تسليط الضوء على أزمات عالمية أخرى بأشكال مختلفة من الدعم والتدخل الدبلوماسي الفعال، يبقى الوضع اليمني على هامش الاهتمام العالمي، أو يُنظر إليه كقضية معقدة لا يمكن حلها، مما يبرر التقاعس عن العمل. هذا الجحود الدولي يتجلى في عدم الضغط الحقيقي لوقف النزاع، وفي عدم توفير التمويل الكافي لبرامج الإغاثة الضرورية. المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، هي بمثابة مسكنات مؤقتة لا تعالج الجرح الغائر المتمثل في استمرار الحرب وعرقلة التنمية الاقتصادية.


من الصعب فهم كيف يمكن للمجتمع الدولي، الذي يتبنى مبادئ حقوق الإنسان وحماية المدنيين، أن يقف متفرجاً على هذا النزيف البشري المستمر. إن الصمت حول معاناة المدنيين في مناطق القتال، سواء كان ذلك بسبب الحصار أو القصف أو الانهيار الاقتصادي، هو مشاركة ضمنية في استمرار المأساة. هذا الصمت يفتح الباب أمام استمرار أطراف الصراع في اتخاذ قرارات تعطي الأولوية لأهدافها العسكرية أو السياسية على حساب حياة المواطن اليمني العادي.


علاوة على ذلك، فإن القضايا المتعلقة بالفساد في توزيع المساعدات أو بتسييس الاحتياج الإنساني تزيد من تعقيد المشهد. حتى عندما تصل المساعدات، فإن آليات وصولها وتوزيعها تكون عرضة للتعطيل أو التحويل، مما يحرم الفئات الأكثر استحقاقاً في المدن والمناطق النائية من نصيبها العادل. هذا يفاقم الشعور بالعجز والإحباط لدى الشعب اليمني الذي يرى أن العالم يراقب موته جوعاً دون أن يتحرك بفعالية.


لكي ينتشل الشعب اليمني نفسه من هذا القاع، لا بد من تحرك مزدوج. داخلياً، يجب أن تتضافر الجهود نحو إيجاد حلول محلية مستدامة تخفف من حدة الأزمة المعيشية، والتركيز على مشاريع التنمية الصغيرة والزراعة المحلية لتقليل الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية. أما خارجياً، فالأمر يتطلب صحوة ضمير عالمية. يجب على المنظمات الدولية والحكومات المؤثرة أن تدرك أن استقرار المنطقة بأسرها مرتبط باستقرار اليمن ورفاهية شعبه. الضغط الدبلوماسي الفعال لوقف إطلاق النار الشامل والدائم هو الخطوة الأولى، يليه التزام دولي واضح بإعادة بناء البنية التحتية المتضررة ودعم الاقتصاد المنهار.


يقف الشعب اليمني بين مطرقة الحرب وسندان التجاهل الدولي. إنهم يعانون أم المعاناة، في كل مدينة وقرية، يواجهون شبح المجاعة مع اقتراب كل شهر، وهم ينظرون إلى العالم الذي يبدو أنه قد نسي مأساتهم. إن صمت المجتمع الدولي ليس مجرد إغفال، بل هو وصمة عار على جبين الإنسانية. إن الحاجة إلى مغيث عاجل وحاسم هي مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط لإنقاذ الأرواح من الجوع، بل لإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية التي سُحقت تحت عجلات هذا الصراع الممتد. إن التاريخ لن يرحم من امتلك القدرة على المساعدة ولكنه اختار الصمت.