آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-07:05ص

الجنوب ليس ورقة قابلة للحرق

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 01:35 م
عبدالناصر صالح ثابت

بقلم: عبدالناصر صالح ثابت
- ارشيف الكاتب


لم يكن الجنوب يومًا رافضًا للتعايش السلمي مع الشمال أو مع محيطه الإقليمي، ولم يكن متجاهلًا لمصالح العالم وتعقيداته. على العكس، يطرح الجنوبيون دائمًا رؤية واضحة تقوم على السلام، وحسن الجوار، والتعاون المتبادل، لكن بشرط جوهري لا يمكن القفز عليه: ألا تتحول هذه المرونة إلى غطاء لسحقهم، أو ذريعة لتجاهل مطالبهم المشروعة، أو محاولة لإعادة فرض واقع أثبت فشله أخلاقيًا وسياسيًا عبر عقود من الصراع.


لم يعد لدى الجنوبيين أي استعداد للعودة إلى ما يُسمّى وحدة، أو القبول بأي حلول إجبارية. فقد دفع الجنوب فاتورة باهظة، وواجه صراعات متعددة أرهقته سياسيًا وإنسانيًا واقتصاديًا. ورغم ذلك، فإن كسر إرادة الجنوبيين أو محاولة إجهاض حلمهم المشروع لن يعيد إنتاج الطمأنينة، بل سيقود حتمًا إلى رفض شعبي واسع يمنع تكرار مآسي الماضي القريب، التي ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة الوطنية، ومسجلة في ملفات العدالة المؤجلة.


القهر والألم اللذان يحملهما الجنوبيون ليسا تفصيلًا يمكن تجاوزه في حسابات السياسة، ولا رقمًا هامشيًا في تقارير الحلفاء. إنه وجع ممتد، صاغته سنوات من التهميش المنهجي، ونهب الأرض، وإقصاء الإنسان، وتفريغ الهوية من مضمونها، إلى جانب العنف المفرط والقصف غير المبرر الذي عمّق الجراح ووسّع فجوة الثقة. تضحيات جسيمة قُدّمت على مدى سنوات طويلة في مواجهة واقع فُرض بالقوة، بينما ظل كثير من الحلفاء عاجزين، أو غير راغبين، في استشعار عمق هذه المعاناة أو الاعتراف بحجم الأثمان التي دُفعت.


والمفارقة القاسية أن الخاسر الأكبر من صراعات نخب الشمال، ومن تناقضات الحلفاء وحساباتهم المتبدلة، لم يكن سوى الجنوب. ففي كل جولة صراع، يدفع الجنوبيون الثمن مضاعفًا: أمنًا، واقتصادًا، وحياة يومية هشة، ودمارًا واسعًا طال الإنسان والبنية والمستقبل. تُدار الخلافات فوق رؤوسهم، وتُعقد التسويات على حسابهم، وكأن الجنوب مساحة مفتوحة للتضحية متى ما اقتضت المصالح أو تبدلت التحالفات.


إن على الإقليم والعالم أن يدركا أن ما يطلبه الجنوبيون ليس فوضى، ولا تهديدًا لأمن المنطقة وسلامها، بل سعيًا مشروعًا نحو مستقبل يُصاغ بإرادتهم وعلى أرضهم. فقضية الجنوب ليست ملفًا مؤجلًا، ولا ورقة ضغط ظرفية في لعبة السياسة، بل مسألة شعب يسعى إلى أن يقرر مصيره بعيدًا عن الوصاية، وبعيدًا عن إعادة إنتاج معادلات أثبتت فشلها ولم تجلب سوى الصراع وعدم الاستقرار.


لقد أثبتت التجربة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن القوة واستعراض النفوذ لا يصنعان حلفاء، ولا يؤسسان سلامًا دائمًا. قد يفرضان واقعًا مؤقتًا، لكنهما يزرعان في الوقت ذاته بذور الانفجار القادم. أما السلام الحقيقي، فلا يولد من فوهة السلاح، بل من الاعتراف، والعدالة، واحترام إرادة الشعوب.