آخر تحديث :الإثنين-16 فبراير 2026-12:52ص

التحولات الكبرى

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 11:19 ص
منصور صالح

بقلم: منصور صالح
- ارشيف الكاتب


في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها قضيتنا الوطنية الجنوبية، يصبح من الحكمة أن نتوقف قليلًا لنراجع خطابنا، ونُهدّئ من حدة الكلمات، ونفتح مساحة أوسع للعقل والحكمة. فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى ضجيج بقدر ما تحتاج إلى وعي، ولا تُبنى الأوطان بلغة التخوين والاستعداء، بل بروح المسؤولية والإيمان المشترك بالهدف.

دعونا نأخذ استراحة صادقة من لغة الاتهامات، ولنمنح بعضنا حسن الظن الذي يليق بعدالة قضيتنا. ولنؤمن بأن أبناء الجنوب، مهما اختلفت مواقعهم أو اجتهاداتهم، في الداخل أو في المنافي، يحملون قضية الجنوب في حدقات أعينهم، ويضعونها في صدارة أولوياتهم، وإن تباينت الرؤى وتعددت الوسائل.

إن وحدة الهدف لا تعني تطابق الآراء، والاختلاف في الاجتهاد لا يعني التنازع في الولاء. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب الحية هي التي تتسع صدورها للاختلاف، وتحوّل تنوعها إلى مصدر قوة لا إلى سبب فرقة وما أحوجنا اليوم إلى خطاب جامع يرسّخ الثقة، ويعيد الاعتبار لقيم الاحترام المتبادل، ويغلق أبواب الشك التي لا يستفيد منها إلا خصوم قضيتنا من القوى الحاقدة على وطننا والحالمة باستعباد شعبنا واتخاذ ارضه وطنا بديلا لها.

وفي خضم كل ذلك، يجب أن يبقى تركيزنا الأساسي موجّهًا نحو جوهر المعركة الوطنية، وهو مواجهة الاحتلال بكل أشكاله، والعمل بإرادة موحدة على إنهائه. فحتمية رحيل الاحتلال ليست شعارًا عابرًا، بل حقيقة تصنعها إرادة الشعوب حين تتوحد كلمتها وتتماسك صفوفها وتُحسن إدارة خلافاتها.

إن أي انشغال بالصراعات الجانبية أو الانقسامات الداخلية لا يخدم إلا إطالة أمد المعاناة، بينما الطريق الأقصر نحو المستقبل يبدأ بتوجيه البوصلة نحو الهدف الحقيقي.

تقع علينا جميعًا، نخبًا وسياسيين وإعلاميين ومواطنين، مسؤولية أن نرتقي بخطابنا إلى مستوى التحديات، وأن نغلب صوت الحكمة على الانفعال، وصوت المصلحة الوطنية على أي اعتبارات ضيقة. فالقضية التي ضحّى من أجلها الشهداء، وصبر لأجلها شعبنا طويلًا، تستحق منا أن نصونها من كل ما يضعف صفها أو يشتت كلمتها.

ليعمل كل منا من موقعه، وبما يملك من أدوات، من أجل الهدف المشترك الذي يجمعنا: استعادة وبناء دولة الجنوب العربي الحرة الأبية، دولة النظام والقانون والمؤسسات، الدولة التي تتسع لجميع أبنائها، وتضمن الكرامة والعدالة والمساواة، وتصون التضحيات التي قُدمت في سبيلها.

ولنثق بأن اختلاف الأدوات والوسائل لا يفسد للغايات قضية، وأن تعدد المسارات يمكن أن يلتقي في نهاية المطاف عند الهدف الأسمى. فصدق الانتماء يُقاس بالنية الصادقة والعمل المخلص، لا بضجيج الخطاب أو قسوته.

فلنحافظ على جسور التواصل بيننا، ولنُبقِ أبواب التواصل والتكامل مفتوحة، ولنجعل من وحدتنا المعنوية ركيزة أساسية لعبور هذه المرحلة، فالأوطان تُبنى بسواعد أبنائها مجتمعين، لا متفرقين.

حفظ الله الجنوب وأهله، ووفّق الجميع لما فيه خير الوطن ومستقبله، حتى يتحقق الهدف المنشود بزوال الاحتلال وقيام الدولة الحرة المستقلة.

منصور صالح

القاهرة