لا يمكن أن تستقيم دولة، أو يُبنى وطن، طالما ظل "الكرسي" وسيلة للإثراء غير المشروع، وطالما ظلت المغادرة من المنصب صك براءة مجاني يمنح الفاسدين فرصة للاستمتاع بما نهبوه.
إن الاكتفاء بإخراج بعض الوزراء من التشكيلة الحكومية دون إخضاعهم للمحاسبة والمساءلة القانونية ليس مجرد خطأ إداري، بل هو سلوك يقوض شرعية الدولة ويستفز كرامة الشعب.
المال العام: حق الشعب لا غنيمة السلطة
يجب أن يدرك الجميع أن المال العام ليس ملكية خاصة لمن يدير السلطة اليوم، بل هو ملك لكل يمني ويمنية. ومن هنا، فإن العدالة والمسؤولية القانونية والأخلاقية تقتضي ألا يغادر من نهب مليارات الريالات ومئات الملايين من الدولارات دون حساب.
هناك وثائق تثبت نهبًا فظيعًا مارسه وزراء غادروا المشهد مؤخرًا، فبأي حق يذهب هؤلاء بسلام بينما يعاني الشعب ويلات الجوع والانهيار الاقتصادي؟
لقد رأينا كيف مرر رئيس الوزراء السابق، معين عبد الملك، ملفات شابتها شبهات فساد ونهب بمئات الملايين من الدولارات، دون أن يجرؤ أحد على استدعائه للتحقيق.
إن ترك اللصوص يغادرون المشهد دون عقاب وهم متورطون في سرقة أقوات الناس هو تساهل يصل إلى حد "الخيانة العظمى".
إن التغاضي الذي يمارسه مجلس القيادة الرئاسي تجاه لصوص المال العام يضع علامات استفهام كبرى حول طبيعة هذه السلطة. هل صمت القيادة تواطؤ أم عجز؟
هل نحن أمام "سلطة فساد" تتعاون مع اللصوص؟
أم أن من يحكم يخاف من كشف المستور لأن خيوط الفساد متشابكة؟
إن ترك الحبل على الغارب لمن أفسد ونهب لا يعطي انطباعاً بالعجز فحسب، بل يوحي بأن هناك رغبة في التغطية على جرائم تدمير الدولة من الداخل.
ولن تقوم للبلاد قائمة مادام النهب متاحاً، والمحاسبة غائبة، والمجرم طليقاً.
الأمر الأكثر خطورة من سرقة المليارات هو أن يتحول نهب المال العام إلى "ثقافة" مستساغة، وفعل لا يستوجب الاستنكار أو العقاب.
حين يرى المسؤول القادم أن سلفه خرج محملاً بالثروات دون أن تمسه يد القانون، فإنه سيقتفي أثره، مما يحول مؤسسات الدولة إلى مغانم شخصية بعيدة عن الرقابة.
إنه لمن المؤلم والمؤسف حقاً أن نرى سراق المال العام يلوذون بالفرار تحت ستار "التغييرات الحكومية".
إن الوطن لا يحتاج إلى وجوه جديدة فحسب، بل يحتاج إلى "إرادة" تحاسب المقصر وتقتلع الفاسد.
إن لم يتحرك مجلس القيادة اليوم لوقف هذا النزيف وتفعيل مبدأ "من أين لك هذا؟"، فإنه يكتب شهادة وفاة لمصداقيته أمام الشعب والتاريخ.