آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-01:36ص

حرية التوحيد..كرامة الإنسان في مواجهة الاسترقاق

السبت - 14 فبراير 2026 - الساعة 11:45 م
عبدالله اسماعيل

بقلم: عبدالله اسماعيل
- ارشيف الكاتب


إن مفهوم حرية التوحيد، في أصفى معانيه وأعمق تجلياته، لا يقف عند حدود الاعتقاد الغيبي المجرد، بل يتحول إلى مبدأ تحرري شامل، إلى إعلان قاطع بأن الخضوع لغير الخالق، أياً كان هذا الغير، قيدٌ ينتقص من كرامة الإنسان ويصادر جوهر فطرته. سواء تمثل هذا الخضوع في شخصٍ متدثر بالقداسة، أو في كهنوتٍ عنصري يزعم الاصطفاء، أو في منظومة فكرية تُضفي على بشرٍ ما حقا إلهيا، فإن النتيجة واحدة: انتقاص من الحرية التي خُلق الإنسان عليها.


إن تعظيم البشر ورفعهم فوق مقامهم الإنساني يصنع تراتبية مصطنعة، تُجبر الإنسان على الانحناء لإنسان مثله، وهذا المسلك ليس إلا استرقاقا روحيا يتناقض مع أصل المساواة بين البشر أمام الخالق. فالبشر يظلون بشرا مهما بلغت دعواهم، والسيادة المطلقة لا تكون إلا لله وحده، بلا شريك، ولا وسيط، ولا وصاية على الضمائر.


وحين يكون الاتصال بالخالق مباشرا، صافيا من كل وساطة بشرية "ادعوني أستجب لكم" يتحرر العقل من عبء استرضاء الرموز، ومن وهم أن الطريق إلى الله يمر عبر أشخاص أو سلالات أو طبقات مخصوصة "يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا" هنا يتجلى الاستقلال الوجداني: فلا صكوك غفران، ولا بركات محتكرة، ولا خيرية تقوم على النسب، ولا قداسة تُورّث بالدم.


ومن هذا المنظور تحديدا، يمكن فهم الخلل الجوهري في النظرية الزيدية الهادوية، التي جعلت الإمامة ركنا عقديا، وربطت الولاية بسلالة مخصوصة، ومنحت الإمام موقع الوسيط الضروري لفهم الدين وتأويل النصوص وتحديد مسارات الطاعة والمعصية. لتتحول الإمامة إلى شرط اكتمال الإيمان، وتغدو طاعة الإمام جزءا من العقيدة، فينتقل الإسلام من كونه تحريرا للإنسان إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية.


إن الإشكال لا يكمن في التاريخ بوصفه تاريخا، ولا في الأشخاص بوصفهم أشخاصا، بل في الفكرة التي تجعل من بشرٍ معينين مرجعيةً دينيةً مطلقة، وتمنحهم امتيازا روحيا وسياسيا بدعوى الاصطفاء. هنا تبدأ صناعة التراتبية: إمام في القمة، وأتباع في القاعدة، وسلالة تُمنح حق القيادة بحكم النسب، لا بحكم الكفاءة أو الاختيار الحر.


وحين يُقنع الإنسان أن رضوان الله يمر عبر الولاء لهذه السلالة، أو أن فهم القرآن لا يكتمل إلا من خلال الإمام المعصوم أو شبه المعصوم، فإن التوحيد يُفرغ من بعده التحرري، ويُعاد تشكيله ليصبح إطاراً دينياً لضبط الجماعة، لا لتحرير الفرد.


إن التوحيد الخالص ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو موقف وجودي وأخلاقي. هو إعلان أن لا سيادة مطلقة إلا لله، وأن كل بشرٍ خاضع مثله مثل غيره لهذا المبدأ. وعبادة الله وحده هي الثورة الحقيقية على كل أشكال الكهنوت، وأعمق مواجهةٍ لكل نظرية تجعل من النسب سلطة، ومن الوساطة قداسة، ومن الطاعة العمياء فضيلة.


فحين يصفو التوحيد، تُصان الكرامة.

وحين تُربط العقيدة بوساطة بشرية أو سلالية، يبدأ الاسترقاق، ولو حمل اسم الإمامة، أو لبس ثوب الدين.