بما أن المناطق الجنوبية المحررة شهدت أحداثًا وتطورات دراماتيكية قلبت موازين عشر سنوات سابقة، علينا أن نقف لحظة واحدة ونحاول تفكيك الخيوط المتشابكة، ونقوم بتفسيرها وتحليلها وفق ما نشاهده على الواقع.
واقعنا تحول من يد إلى يد أخرى، وانقسمنا بين مؤيدين ومعارضين ومتشائمين، وآخر وقف على أمرٍ من حيرته. لكن بما أننا قلنا لا بد من تفكيك الخيوط المتشابكة، فلا بد أن نرجع إلى الوراء قليلاً حتى نصطدم بعام 2017م، هذا العام الذي حمل آمالًا وبشارات كالجبال لكل جنوبي أراد الانفصال.
في ذلك العام تشكّل المجلس الانتقالي الجنوبي، ودارت عجلة التأييد والتقوية والتمكين حتى أصبح يدير المجلس كل المحافظات الجنوبية، وأهمها العاصمة عدن، لكن بعض قياداته كانت تتهرب من أبسط التزاماتها في عدن والمحافظات الأخرى، وحملت راية (الخدمات ليست مسؤوليتنا) طيلة السنوات العشر العجاف، مع أنها كانت تملك ميزانية تستطيع من خلالها توفير بعض الخدمات، إن لم يكن كلها، والتي كانت تتحصل عليها من الضرائب والنقاط الأمنية والجبايات، إضافة إلى مساندة دولة الإمارات لها في حلّها وترحالها. ومع ذلك، كانت المظاهر العسكرية هي الأهم من إدارة ملف الخدمات. وقد خلقت هذه النقطة فجوة كبيرة في أوساط مؤيدي المجلس وثقتهم به في إدارة البلاد خدميًا حتى الوصول إلى الاستقلال.
نحن لا نتشفى بالمجلس الانتقالي والقضية التي يحملها، لكننا نتحدث عن بعض قياداته التي لم يشفع عندهم تعب المنهكين والمتعبين ممن أيدوهم ووكلوهم ووقفوا معهم لنيل الاستقلال الغائب في قاموسهم.
اليوم المملكة تدعي أنها تريد تغيير الموازين في عدن والمحافظات الجنوبية، وتقديم خدمات لشعب فقدها في عهد الانتقالي.. لكن هل تستطيع أن تمحي القضية الجنوبية من قاموس الانفصاليين؟
أقولها بكل صدق وإيمان بها: "لا.. ومليون لا".
إذاً لماذا؟
لأن المملكة ليس هدفها البقاء في ظل الوحدة، ولا تقدم خدماتها حاليًا من أجل أن ينسى الجنوبيون قضيتهم، بل تريد أن تعيش جارتها بسلام؛ سواء كانت الوحدة قائمة أو الانفصال أو نظام الأقاليم، فإذا استقر اليمن استقرت، وإذا أمِن أمنت. ولهذا تبذل هذا العطاء لأجل الاستقرار والتنمية لها ولجارتها.
ما نشاهده اليوم يكشف حجم حمية قلوبنا، تعرفون لماذا؟ لأننا لا نبحث عن الحقيقة من الواقع، بل نستنتجها مما نشعر به، والدليل على ذلك المظاهرات التي أقيمت في عدن والمكلا وسقطرى، دفعتنا لنطالب بعودة قيادات هي في الأساس لم تقدم لنا شيئًا منذ سنوات، بالأمس شبوة سفكت فيها الدماء، واليوم نُعيد الكرّة في أبين، وغدًا في محافظة أخرى، ونسينا أن نقف للحظة واحدة نختار فيها قيادات تمثلنا في المرحلة القادمة، ونسعى إلى تحكيم العقل والمنطق.
كلمة أخيرة، ولن أطيل في هذا: دعونا نجرب المملكة خمس سنوات فقط، ونرى ماذا ستقدم لنا، ما دامت تعترف بالقضية الجنوبية وتتبنى الحوار الجنوبي لكل أبنائه في عاصمتها الرياض، وإذا مالت بكفّتها يومًا ما، سنميل عليها بشعبٍ جبارٍ لا ينكسر.