لم أكن يومًا معاديًا للشمال أو للناس البسطاء الذين ينتمون إليه. لي أحبة وأصدقاء ينتمون إليه، وتجمعني عداوات وخصومة مع جنوبيين أتشارك معهم نفس الجغرافيا. إذن العداوة والمحبة لا علاقة لهما بالجغرافيا، إنما هما نتيجة سلوكٍ نابعٍ من النفس البشرية، وقد يكون الإخوة داخل البيت الواحد أعداء، ويصلون إلى حدّ الاقتتال عندما تعصف بهم نزعة الكراهية ويفقدون القدرة على ضبطها.
كلما عصفت بنا الأحداث السياسية وانجرفنا إلى الكراهية المضادة بعمًى، تساءلت: لماذا كل هذه الكراهية؟ وخلال الأيام الماضية، عندما وصل اصطفاف المثقفون والساسة والنشطاء بأغلبيتهم ضد بعض، قررت أن أعود لقراءة مذكرات جار الله عمر، لعلّي أفهم طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب وأستنتج إجابةً مقنعةً لهذا السؤال. وقع اختياري عليه لما يتمتع به الرجل من مبادئ وطنية وإنسانية ينطلق منها، ولكونه سياسيًا مثقفًا، وهو من المثقفين القلّة الذين استطاعوا اختراق الأنظمة السياسية اليمنية، وعمل لدى النظامين في الشمال والجنوب، وأمكنه بذلك أن يكون شاهدًا على العقلية التي كان يفكر بها هذان النظامان اللذان كانا طرفي هذه العداوة التاريخية ويخوضانها تحت شعاراتٍ ظاهرها وحدوي وباطنها سلطوي، كما اتضح للشعب فيما بعد.
إشارةً إلى اندلاع حرب المناطق الوسطى المدعومة من النظام الجنوبي، يتحدث جار الله عمر تارة نادمٌ على خوض الصراع المسلح لأن هناك اختلال بميزان القوى داخل الشمال، وتارة مُبررًا أن مقاومة النظام في الشمال كان موقفًا أخلاقيًا بسبب بطشه وتصفية لمعارضيه.
إذًا ما ذكره هنا جار الله عمر عن أسباب الصراع أنه لم يكن صراعًا بين الجنوب والشمال كشعبين عدوين، بل صراعًا بين النظام والمعارضة داخل جغرافيا الشمال نفسه. وقد استطاعت المعارضة الهاربة من الشمال إلى عدن التغلغل في مفاصل النظام والتأثير على القرار السياسي ليصبح الجنوب منصةً لانطلاقها نحو تحرير الشمال من النظام الذي كانت تراه نظامًا رجعيًا متخلّفًا تقوده عصابة قبلية. وكردة فعل حرّض نظام صنعاء الشعب في الشمال ضد الجنوب لإيوائه خصومه السياسيين الذين ينازعونه السلطة، وهذه هي الأسباب الحقيقية التي ولّدت الصراع.
وصول الحمدي إلى الرئاسة شكّل اختراقًا كبيرًا للقوى التقليدية التي تحكم سيطرتها على نظام صنعاء، وهذا الاختراق هدّأ من وتيرة الصراع بين الشمال والجنوب. ويشير جار الله عمر إلى أن انتماء الحمدي القبلي إلى المركز المقدس ساعده على التخفي خلف أفكاره للوصول إلى رأس السلطة، وبعد وصوله غيّر اتجاهه السياسي وبدأ يعمل ضد القوى التقليدية ويجري اتصالات سرية مع المعارضة بالشمال ومع النظام الذي يحتضنها في الجنوب، وعندما اختلف مع السعودية والقوى التقليدية في الشمال أراد التفاهم مع الجنوب وقرر زيارة عدن، وفي ليلة سفره إلى عدن دبّر نائبه وعدد من الضباط عملية الانقلاب عليه.
إذًا كانت ترتفع حدّة الصراع وتنخفض بناءً على تفكير رأسي النظامين، وتلك الطريقة التي قُتل بها الحمدي نتيجة تقاربه مع الجنوب أثارت ردّة فعلٍ هستيرية من قِبل النظام في الجنوب (الذي كان يرأسه سالمين، الصديق الشخصي للحمدي)، وقد اتُّخذت حينها قرارات مصيرية، أولها توحيد القوى اليسارية للمعارضة الشمالية وتشكيل الحزب الاشتراكي ليكون حزبًا سياسيًا واحدًا في الشمال والجنوب، وبعدها قرر سالمين تصفية الغشمي بالاتفاق مع عبد الفتاح إسماعيل دون التشاور مع بقية أعضاء المكتب السياسي، ليجدها بعض أعضاء المكتب السياسي ذريعةً للإطاحة بسالمين.
عقلية النظام في الجنوب مع حلفائه من القوى الوطنية (اليسار المعارض داخل الشمال) لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية لإدارة هذا الصراع، بل كانت عقليةً ثوريةً رومانسيةً مندفعةً تحركها العاطفة دون حسابات، تتسرع بإشعال الحروب، لكنها حين تصطدم بجدار القوى التقليدية داخل جغرافيا الشمال تكتشف أن الحماس وحده لا يكفي للنصر ولا يغيّر الواقع. ومع مرور الوقت غرق النظام في الجنوب بصراعات داخلية أضعفته وأوصلته إلى أحضان نظام صنعاء (تحت شعارات وحدوية)، وتحت هذه المظلة الشعاراتية استثمر نظام صنعاء حالة الضعف والترهل التي خلّفتها صراعات الرفاق في الجنوب، فاستثمرها للانتقام والثأر من ماضي النظام الجنوبي بتصفية ما تبقى منه في حرب 94م وبسط سيطرته على جغرافيا الجنوب كاملة لضمها تحت سلطته.
حين سُئل البردوني في إحدى مقابلاته عن طبيعة الوحدة القائمة بين الجنوب والشمال أجاب: "كان النظام في صنعاء لا يسيطر على الدولة في الشمال ولا يعمل من خلالها، بينما النظام الجنوبي يسيطر على الدولة ويعمل عبرها، فتوحّد النظامان، وكنا نأمل بسط سيطرة الدولة على الشمال بقوة الجنوب، ولكن ما حدث أن الدولة انهارت وتمدد نظام القبيلة للسيطرة على الجنوب". والبردوني بهذا الوصف يضع ملخصًا للصراع الذي دار بين النظامين دون أن يعتبرها وحدةً حقيقيةً معبرةً عن تطلعات الشعبين.
رغم الأحداث المأساوية التي عصفت بالجميع شمالًا وجنوبًا خلال السنوات الماضية، ما زال هذا الانتصار الذي حققه نظام القبيلة قائمًا برموزه ومهيمنًا على قرار الدولة اليمنية. لا وجود لدولة حقيقية على الأرض، ما هي إلا حكومة منفى صورية تستخدم "شعار الوحدة" لأدلجة الشمال وتوجيهه نحو الجنوب لخوض معركة الحفاظ على هيمنتها هناك. عصابة النظام المنتصر تركت معقلها في صنعاء للحوثي وتفرغت للدفاع عن مكتسبات انتصارها في الجنوب، وعندما أنهك الشمال ولم يعد قادرًا على خوض الحرب نيابة عنها حشدت الخارج وسلمت لهُ زمام الأمور لضمان استمرار هيمنتها على قرار الدولة على أن تكون هي مظلة لتمرير اجندته.