عقد مجلس إدارة البنك المركزي في عدن اجتماعه يوم الخميس 11 فبراير 2026م في ظل ظروف نقدية ومالية شديدة الحساسية، حيث يمر الاقتصاد الوطني بمرحلة من التقلبات الحادة في سعر الصرف، وتآكل القوة الشرائية، وارتفاع مستويات التضخم. وقد تركز الاجتماع ـ بحسب ما رشح من معلومات ـ على مناقشة أوضاع القطاع المصرفي، وإجراءات تثبيت سعر صرف الريال اليمني، والحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية.
غير أن المشهد لم يخل من جدل واسع في الشارع، إذ تداولت الأوساط الجماهيرية ومواقع التواصل الاجتماعي أنباء عن انخفاض سعر صرف الريال السعودي ليصل إلى 410 ريال يمني للريال السعودي الواحد. هذه المعلومة، حتى لحظة التداول، لم تصدر في بيان رسمي عن البنك المركزي، ما خلق حالة من الارتباك وعدم اليقين في السوق، خاصة مع إغلاق عدد من محال الصرافة أبوابها بصورة مفاجئة.
من الناحية الاقتصادية، فإن أي تراجع حاد ومفاجئ في سعر الصرف ـ إن صح ـ لا يمكن فصله عن تدخلات مباشرة في السوق، سواء عبر ضخ عملات أجنبية، أو فرض قيود صارمة على عمليات البيع والشراء، أو اتخاذ إجراءات رقابية مشددة بحق شركات ومنشآت الصرافة. وغالبا ما تلجأ البنوك المركزية في مثل هذه الحالات إلى ما يسمى بالتدخل الإداري قصير الأجل لكبح المضاربة، إلا أن فعالية هذه السياسة تبقى مرتبطة بحجم الاحتياطيات الأجنبية المتاحة واستدامة مصادر النقد الأجنبي.
إغلاق محال الصرافة يحمل دلالات متعددة. فقد يكون إجراء احترازيا نتيجة توجيهات رقابية مؤقتة، أو خشية من الخسائر في حال وجود فروقات سعرية غير مستقرة، أو نتيجة انتظار تعميم رسمي يحدد سعرا موحدا. وفي كل الأحوال، فإن توقف نشاط الصرافة ولو لساعات ينعكس مباشرة على حركة السوق، ويؤثر على التحويلات التجارية والحوالات الشخصية، خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد والتعاملات غير المصرفية.
المشكلة الأساسية تكمن في فجوة الثقة. فعندما تتسرب معلومات غير مؤكدة، ويتزامن ذلك مع إجراءات ميدانية مثل الإغلاق، فإن السوق يدخل في حالة ترقب قد تتحول إلى هلع، وهو ما يفتح الباب للمضاربين في السوق الموازية. لذلك فإن الشفافية وسرعة الإفصاح الرسمي تعدان ركيزة أساسية في إدارة السياسة النقدية، خصوصا في بيئة هشة تعاني من انقسام مالي ومصرفي.
كما أن أي تحسن حقيقي في سعر الصرف لا ينبغي أن يكون ظرفيا أو نتيجة تدخل مؤقت، بل يجب أن يستند إلى معطيات اقتصادية حقيقية، مثل زيادة تدفقات النقد الأجنبي من الصادرات، أو دعم خارجي مستدام، أو تحسن في ميزان المدفوعات، أو ضبط فعلي للإنفاق العام. أما المعالجات المؤقتة، فهي وإن منحت السوق استقرارا آنيا، إلا أنها لا تعالج جذور الاختلال.
اللافت أن تباين أسعار الصرف بين مناطق البلاد يضيف بعدا آخر للمسألة، ويعمق من حالة التشوه النقدي، ما يتطلب رؤية شاملة لإعادة توحيد السياسة النقدية وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز أدوات الرقابة على السوق.
في تقديري، فإن المرحلة تتطلب من البنك المركزي في عدن أن يصدر بيانا توضيحيا يضع الرأي العام أمام الحقائق، سواء بنفي أو تأكيد ما تم تداوله، مع شرح طبيعة الإجراءات المتخذة وأهدافها ومدتها. فالسوق لا يحتمل الغموض، والعملة الوطنية لا تستقر إلا بثقة حقيقية قائمة على وضوح الرؤية، لا على الشائعات أو المعالجات اللحظية.
استقرار الريال اليمني ليس مسألة رقم في شاشة صراف، بل هو عنوان لاستقرار معيشة المواطن، وسعر الغذاء، وكلفة الدواء، ومستوى الأجور الحقيقية. ومن هنا فإن إدارة هذا الملف يجب أن تتم بأقصى درجات المهنية والشفافية، وبعيدا عن ردود الفعل المؤقتة.