رحل الكاتب العدني فاروق محمد علي لقمان عن الحياة في العام 2019، بعد أن خاض تجربة إعلامية فريدة من نوعها خلدها في سلسلة من المؤلفات التي تسلب عقل قارئها منذ أول وهلة، والأهم أنها جعلته خالداً حتى بعد انتقاله إلى الملأ الأعلى، وكأن مسيرة حياته تقول لغيره من الكتاب: "اعملوا بإخلاص وصدق فالكتابة إرثكم الوحيد للأجيال القادمة".
في مقالات لقمان، وخاصة في سلسلته الشهيرة "عالم بلا حدود"، ستلف العالم بقاراته الخمس، وستلتقي بأبرز القادة والمؤثرين؛ فمن "أنديرا غاندي" إلى "فيديل كاسترو" وصولاً إلى عمالقة الرياضة والفن، لم يكن لقمان مجرد ناقل للأخبار، بل كان صائغاً للهوية الإنسانية. كان يؤمن أن الصحفي هو "عين القارئ"، لذا جاءت كتاباته مفعمة بالتفاصيل التي تجعلك تمتلك كماً هائلاً من الثقافات المتنوعة والمفردات الأجنبية، وتجعل منك إنساناً موسوعياً على دراية واسعة بالمواضيع العامة والدقيقة على حد سواء.
لقد كان قلمه ملهماً إلى حدٍ كبير، فرغم أنه يكتب بأسلوب "السهل الممتنع" الذي يفهمه الكبير والصغير، إلا أنه كان يحمل عمقاً فلسفياً نادراً. يظهر ذلك جلياً في قدرته على تحويل الرحلة الجغرافية إلى رحلة فكرية، حيث كان يردد دائماً ما مفاده أن "المسافة بين الأمم ليست في حدود الخرائط، بل في حدود المعرفة والاطلاع". هذا الشغف هو ما يزرعه في روعك بمجرد قراءة بضعة أسطر له، فتجد نفسك مدفوعاً بحب القراءة والاطلاع، بل وحتى محاكاة أسلوبه الرصين.
وهذا النوع من الكُتاب يشعرك بأن مهنته مقدسة، وأن عليه أن يكتب للأجيال وينقل لها خبرته الشخصية وإرثه القديم، مراعياً في ذلك أقصى درجات الصدق والأمانة. كان لقمان يرى أن "الكلمة أمانة، والقارئ شريك في الحقيقة لا يجوز تضليله"، لذا ظلت كتاباته مرجعاً حياً يتجاوز الزمن. لقد جعل من "تأشيرة المرور" التي يحملها في أسفاره جسراً تعبر عليه الأجيال نحو الانفتاح العالمي، مع الحفاظ على الهوية الأصيلة التي استمدها من مدينته "عدن"، ليثبت أن الكاتب الحق هو من يغرس جذوره في أرضه ويطلق أغصانه لتصافح السماء في كل بقاع الأرض.
في محراب مقالاته، وتحديداً في أيقونته "عالم بلا حدود"، أنت لا تقرأ مجرد نصوص، بل تخوض رحلة كونية تطوف بك القارات الخمس. هناك، ستجد نفسك في حضرة التاريخ؛ تجلس مع "أنديرا غاندي" وتستمع لحديث "فيديل كاسترو"، وتتأمل فلسفة "محمد علي كلاي". لم يكن لقمان يبحث عن "السبق" السطحي، بل كان يغوص في أنثروبولوجيا الشعوب، ناقلاً لنا كماً هائلاً من الثقافات المتنوعة والمفردات الأجنبية بذكاء شديد، مما يحول القارئ البسيط إلى إنسان موسوعي يمتلك مفاتيح مواضيع تخصصية بأسلوب ميسر.
تميز قلم لقمان بقدرة عجيبة على الإلهام؛ فبساطة لغته لم تكن تعني السطحية قط، بل كانت "السهل الممتنع" في أبهى صوره. كان يؤمن بأن "القارئ ذكي بالفطرة، ولا يمكن خداعه ببهارج اللغة إذا خلت من الحقيقة". هذا الصدق جعل منه مرجعاً للأجيال؛ فمن يقرأ له يكتسب شغفاً معدياً بالقراءة، ويدرك أن الكتابة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة لغوية. لقد كان ينظر لمهنته كرسالة مقدسة، واضعاً نصب عينيه أن المعرفة حق مشاع، وأن واجبه هو تقريب المسافات لكي يحظى القارئ بأكبر قدر من الوعي دون أن يحرك ساكناً من مكانه.
ولعلّ الشاهد الأكبر على عبقريته هو وفاءه لجذوره؛ فمن قلب "عدن" المنفتحة والمتسامحة، انطلق لقمان ليصيغ للعالم رؤية حضارية شاملة. كان يرى في أدب الرحلات وسيلة لكسر الجمود الفكري، قائلاً في جوهر كتاباته إن "الانفتاح على الآخر هو الطريق الوحيد لفهم الذات". وبذلك، لم تكن مؤلفاته مثل "بلا حدود" و**"تأشيرة مرور"** مجرد كتب سياحية، بل كانت "مانيفستو" للتنوير، تثبت أن الكاتب الذي يخلص لورقته ويحترم عقل قارئه، يمنح نفسه تذكرة عبور أبدية نحو خلود الذاكرة الإنسانية.