في بلدٍ يعيش حربًا مفتوحة، واقتصادًا منهكًا، ومؤسساتٍ شبه مشلولة، تبدو الحكومة اليمنية الأخيرة بعدد وزرائها الكبير وكأنها تعيش خارج الواقع.
خمسةٌ وثلاثون وزيرًا في دولة لا تملك سيادتها الكاملة، ولا مواردها، ولا قرارها الاقتصادي.
السؤال البسيط الذي لا يحتاج تنظيرًا: هل اليمن بحاجة فعلًا إلى هذا العدد؟
الجواب، وبكل شفافية: لا.
اليمن لا يعاني من نقص وزراء، بل من فائض محاصصة.
ولا يحتاج إلى توزيع حقائب، بل إلى توحيد قرار.
ولا يفتقر إلى أسماء في الواجهة، بل إلى أدوات تنفيذ على الأرض.
والمفارقة اللافتة أن دولًا تُعد من الأكثر استقرارًا وقوة في العالم تعمل بحكومات أصغر عددًا وأكثر فاعلية.
فالولايات المتحدة الأمريكية، وهي دولة قارة باقتصاد هو الأكبر عالميًا ومؤسسات راسخة، تُدار بخمسة عشر وزيرًا فقط.
وبريطانيا، صاحبة أقدم التقاليد الديمقراطية الحديثة، لا يتجاوز عدد وزرائها الأساسيين العشرين.
أما ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، فتُدار بسبعة عشر وزيرًا تقريبًا، في دولة موحدة ومستقرة وذات نظام إداري صارم.
في تلك الدول، يُقاس حجم الحكومة بقدرتها على العمل لا بعدد أعضائها، وبكفاءة القرار لا باتساع المحاصصة.
أما في اليمن، فقد تحولت الحكومة إلى ساحة تسوية سياسية، يُدخَل فيها الجميع خوفًا من بقائهم خارجها، لا إيمانًا بقدرتهم على العمل داخلها.
كثرة الوزراء هنا لا تعني قوة الدولة، بل ضعفها.
ولا تعكس اتساع المشروع الوطني، بل ضيقه وانقسامه.
وزارات بلا موازنات، ووزراء بلا صلاحيات، وحكومة بلا دولة.
اليمن اليوم بحاجة إلى حكومة مصغّرة، واضحة، جريئة، تتحمل المسؤولية بدل توزيعها، وتعمل بدل أن تمثل.
أما حكومة بهذا التضخم، فهي عبء إضافي على شعبٍ أنهكته الأعباء أصلًا.
حين تصبح الحكومة أكبر من الدولة، فالمشكلة ليست في العدد… بل في الفكرة.