في سياق التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة العربية في مطلع العقد الماضي، يمثل عام 2011 نقطة تحول فارقة، حيث انطلقت مسيرات شعبية عارمة نادت بالتغيير الجذري وإسقاط الأنظمة القائمة، تلك اللحظات التي ارتفعت فيها أصوات المطالبين بالحرية والعدالة، وصُوِّرت على أنها فجر جديد لأمم كانت تعيش تحت وطأة الاستبداد لعقود طويلة. كانت الآمال معقودة على أن هذه الثورات، التي تبلورت تحت شعار ;الربيع العربي، ستؤدي إلى بناء دول ديمقراطية حديثة ومزدهرة. لكن بعد ستة عشر عامًا من تلك الانطلاقة، تحولت أصوات الاحتفال إلى صدى مرير يتردد في أروقة الأوطان الممزقة، حيث نجد أنفسنا اليوم أمام واقع قاسٍ من التيه والدمار، يجعل من أي محاولة للاحتفال بتلك الأحداث ضرباً من العبث المؤلم.
إن الاحتفال بذكرى أحداث فبراير أو أي من نقاط الانطلاق المشابهة في عام 2011، يبدو اليوم وكأنه احتفال على أنقاض وطن تم هدمه عمداً أو بسوء تدبير. فما كان يُنظر إليه في البداية كصحوة شعبية ضد الظلم تحول في كثير من الدول إلى بؤر للصراع والفوضى العارمة، وتفكك للبنى المؤسسية التي كانت، رغم عيوبها، تشكل الإطار الوحيد للدولة والمجتمع. المشهد اليوم هو مشهد التشرد وفقدان الهوية الوطنية للعديد من الأفراد الذين أجبروا على ترك أوطانهم بحثاً عن لقمة العيش أو ملاذاً آمناً من الحرب الأهلية أو الاستقطاب السياسي المحتدم.
من السذاجة أو التجاهل المتعمد تجاهل حقيقة أن هذه التحولات لم تكن مجرد مطالب شعبية عفية، بل كانت أيضاً فرصة سانحة لاستغلال الفراغ السياسي والأمني الذي خلفته الانهيارات المتسارعة. لقد استفاد أصحاب المصالح، وتحديداً أولئك الذين يمتلكون قلوباً مريضة كما يصفهم البعض، من حالة السيولة وغياب السلطة المركزية لتعظيم مكاسبهم الخاصة. هؤلاء هم من تاجروا بالدماء والاضطرابات، وحولوا الثورة إلى سلعة رابحة. لقد استغلوا الفوضى لتصفية حسابات قديمة، وتعزيز نفوذهم الاقتصادي والسياسي على حساب المصلحة الوطنية الجامعة.
لقد أدى انهيار مؤسسات الدولة في بعض البلدان إلى فتح الباب أمام قوى جديدة، بعضها مرتبط بأجندات خارجية، والبعض الآخر تجمّع حول مصالح إقليمية أو طائفية ضيقة. في هذه البيئة السامة، لم يعد الأمر يتعلق ببناء الديمقراطية، بل أصبح صراعاً وجودياً على الموارد والسلطة المتبقية. تحول المواطن العادي، الذي خرج في البداية حاملاً آمال التغيير، إلى ضحية مريرة لهذا الصراع، يرى أمامه ثروات بلاده تنهب، ومستقبله يتبخر، بينما يعيش أولئك الذين أداروا اللعبة الجديدة في بذخ ونعيم، وكأنهم الأثرياء الجدد الذين اقتنصوا الفرصة من رحم الكارثة.
الاحتفال بمايو أو فبراير أو أي شهر حمل معه تيار التغيير الجارف، يعني الاعتراف بأن النتيجة النهائية كانت كارثية على الأغلبية الساحقة من الشعب، بينما جنى ثمارها قلة قليلة. إن الاحتفاء بالدمار يعني التغاضي عن ملفات النازحين واللاجئين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية قاسية، وعن تدهور البنية التحتية التي تطلب عقوداً لإعادة بنائها، إن وجدت الإرادة السياسية لذلك. كيف يمكن الاحتفال بذكرى حدث أدى إلى تشريد ملايين الأفراد، وتحول مدنهم إلى أطلال لا تصلح للحياة؟ هذا النوع من الاحتفال يصبح شكلاً من أشكال التكريس للواقع المرير بدلاً من البحث عن مسار للخلاص.
إن الشعور بالضياع والتيه الذي يعيشه الكثيرون اليوم هو نتاج مباشر لعدم استيعاب الدروس القاسية لتلك المرحلة. لقد أظهرت التجربة أن إسقاط النظام، مهما كان ظالماً، لا يكفي وحده لتحقيق التنمية أو الاستقرار؛ بل يجب أن يتبعه بناء متوافق عليه للمؤسسات والقواعد التي تحكم الحياة العامة. غياب الرؤية التوافقية حول الدولة القادمة هو ما أتاح المجال لظهور قوى متناحرة استغلت الشعارات الثورية لأغراضها الخاصة، محولة فكرة الخلاص الوطني إلى واقع من السيطرة والهيمنة للفئات المستفيدة.
إن الذكرى السنوية لأحداث 2011 تفرض علينا وقفة تأملية عميقة وليست احتفالية مبتهجة. إنها دعوة لإعادة تقييم المسارات التي اتخذت، والاعتراف بحجم الخسائر الفادحة التي تكبدتها الأمة. فما جنيناه بعد ستة عشر عاماً هو تآكل الدولة، وتعميق الانقسامات، وترسيخ سلطة من استطاعوا أن يصبحوا الأثرياء على حساب دماء وأحلام الشعب. الاحتفال الحقيقي، إذا كان ممكناً، يجب أن يكون احتفالاً بالوعي الجديد الذي قد ينشأ من رحم هذه التجربة المؤلمة، ويكون بداية لجهود صادقة ترمي إلى إعادة بناء ما تم هدمه، بعيداً عن الأوهام القديمة ومكاسب الطامعين الجدد. فالوطن المدمر لا يستحق الاحتفال بل يستحق العمل الجاد والمسؤول للخروج من متاهة الدمار والتيه.