آخر تحديث :السبت-07 فبراير 2026-01:35م

عدن.. من "الموقع الطبيعي" إلى "السيادة اللوجستية"

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 10:27 ص
د. محمد علوي أمزربة

بقلم: د. محمد علوي أمزربة
- ارشيف الكاتب


عدن.. من "الموقع الطبيعي" إلى "السيادة اللوجستية": رؤية استراتيجية شاملة للتحول نحو المنطقة الاقتصادية الخاصة (SEZ)

بقلم: د. محمد علوي أمزربه

مقدمة: إعادة هيكلة المنظور اللوجستي العالمي

في ظل التحولات الجوهرية التي طرأت على سلاسل الإمداد العالمية، لم يعد الميناء يُعرف بوصفه مجرد نقطة ارتكاز لرسو السفن، بل أضحى "النواة الحيوية" لمنظومة القيمة المضافة الاقتصادية. إن الفارق البنيوي بين ميناء عدن والنماذج اللوجستية الإقليمية القائمة ليس فارقاً في "المكان" — حيث تتفوق عدن بميزات طبيعية مطلقة — بل هو فارق في "البيئة التشريعية" و"كفاءة المنظومة الإدارية". إن تحويل عدن إلى منطقة اقتصادية خاصة (SEZ) يمثل مشروعاً لاستعادة السيادة اللوجستية عبر دمج عبقرية الجغرافيا بصلابة التشريع، لخلق بيئة استثمارية عابرة للحدود تفرض شروطها على خارطة الاقتصاد الأزرق العالمي.

أولاً: الجيومورفولوجيا الملاحية ومعادلة تصفير الانحراف

تعتمد تنافسية الموانئ المحورية في الفكر الملاحي الحديث على مبدأ الثلاثية الحرجة: (المسافة، الزمن، التكلفة). وهنا يبرز التحدي الجيومكاني للموانئ الواقعة داخل منطقة الخليج العربي؛ حيث تضطر السفن العملاقة (Mother Ships) المتجهة من جنوب شرق آسيا نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية للانحراف شمالاً لدخول مضيق هرمز ثم العودة مجدداً للخط الملاحي الرئيسي.

هذا الانحراف الملاحي يضيف عبئاً تشغيلياً يقدر بـ 1,200 ميل بحري للرحلة الواحدة ذهاباً وإياباً. ومن منظور مالي صرف، فإن السفن الحديثة من فئة الحاويات العملاقة (ULCV) تستهلك كميات هائلة من الوقود، مما يعني أن الرسو في عدن يوفر كلفة تشغيلية تتراوح بين 250,000 إلى 300,000 دولار للرحلة الواحدة، ناهيك عن اختصار زمن الإبحار بنحو 48 ساعة. وبالإضافة إلى الوفر المالي، تبرز "علاوة الأمان"؛ إذ يقع ميناء عدن على البحار المفتوحة خارج "نقاط الاختناق" الجيوسياسية، مما يمنحه ميزة الملاذ الآمن لشركات التأمين والملاحة الدولية، وهو ما يقلص تلقائياً من أقساط التأمين ضد المخاطر ويحفز نمو عمليات إعادة الشحن (Transshipment) بعيداً عن احتمالات التوتر الملاحي.

ثانياً: الجدوى الجيولوجية والأعماق كقيمة استثمارية مستدامة

غالباً ما تُطرح مسألة الأعماق الحالية لموانئ المنطقة كعائق أمام تنافسية عدن، إلا أن القراءة الفنية العميقة تمنح الأفضلية لعدن من حيث "القابلية للتوسعة العمودية" (Scalability). إن قاع ميناء عدن المكون من ترسبات طينية رملية يمثل ميزة هندسية كبرى؛ إذ إن تكاليف تعميق القناة الملاحية وحوض الدوران لتصل إلى 18 أو 20 متراً — وهي الأعماق اللازمة لاستقبال أضخم سفن العالم من فئة 24,000 حاوية — تقل بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالموانئ التي أُنشئت في مناطق ذات قواعد صخرية تتطلب جرفاً باهظ الكلفة.

علاوة على ذلك، تتميز عدن بانخفاض النفقات التشغيلية (OPEX) المتعلقة بصيانة الأعماق؛ فالموانئ الاصطناعية غالباً ما تواجه تحديات الترسيب المستمر، بينما يمتلك عدن حوضاً طبيعياً يحافظ على خصائصه الهيدروغرافية لفترات أطول، مما يضمن ديمومة استثمارية للمشغلين العالميين والخطوط الملاحية الكبرى.

ثالثاً: الهندسة التشريعية ونظام الاستقلال السيادي للمنطقة

إن الجغرافيا، مهما بلغت عبقريتها، تظل عاجزة دون "قانون" يحمي التدفقات المالية العالمية. لذا، يتطلب التحول نحو المنطقة الاقتصادية الخاصة (SEZ) في عدن تبني حزمة تشريعية استثنائية ترتكز على ثلاثة محاور سيادية:

1. قانون الاستقلال الإداري والمالي: يجب أن تدار المنطقة الاقتصادية بسلطة مستقلة تمتلك صلاحية "النافذة الواحدة" (One-Stop Shop) رقمياً بالكامل، حيث يتم منح التراخيص وتصاريح العمل والسجلات التجارية في غضون ساعات، بعيداً عن البيروقراطية المركزية والتشريعات التقليدية المعيقة.

2. المنظومة الضريبية والجمركية المحفزة: تفعيل نظام الإعفاء الضريبي الكامل (Tax Holiday) لفترات زمنية طويلة الأمد تصل إلى 50 عاماً، مع ضمان الحرية المطلقة لتحويل الأرباح ورؤوس الأموال للخارج بنسبة 100%، وتصفير كافة الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج والآلات المستوردة لأغراض التصنيع والخدمات داخل المنطقة.

3. القضاء التجاري الدولي: استحداث محاكم متخصصة داخل المنطقة تعتمد قوانين التجارة الدولية (Common Law) كأساس للتقاضي، وتفعيل مراكز التحكيم الدولي لضمان سرعة الفصل في النزاعات، مما يعزز ثقة المستثمر في حماية ملكيته الفكرية والمادية.

رابعاً: اقتصاديات القيمة المضافة: من "المرور" إلى "التصنيع"

إن فلسفة المنطقة الاقتصادية في عدن يجب أن تتجاوز مفهوم "رصيف الحاويات" لتتبنى مفهوم "التصنيع اللوجستي" (Logistics-Manufacturing Nexus).

• مناطق إعادة التصدير: إنشاء مجمعات صناعية خفيفة ومتوسطة متخصصة في تجميع الأجهزة الإلكترونية، وتجهيز الأغذية، وصناعة الملابس. هذه السلع تصل كمواد خام في حاويات، وتخرج كمنتجات نهائية "صنعت في عدن" لتُصدر للأسواق الأفريقية والأوروبية، مستفيدة من الموقع الجغرافي الذي يقلل تكلفة الشحن النهائي.

• مركز الخدمات الملاحية (Marine Clusters): استغلال توقف السفن العملاقة لتقديم خدمات تزويد الوقود (Bunkering)، الصيانة السريعة، وتغيير الأطقم، وهي خدمات تُدر مئات الملايين من الدولارات وتخلق آلاف الوظائف الفنية.

خامساً: التحول الرقمي وميناء الجيل الخامس (Smart Port 5.0)

المنافسة القادمة لن تكون بالأسمنت والحديد، بل بـ "البيانات". يجب أن تتبنى منطقة عدن الاقتصادية تقنيات:

• البلوكشين (Blockchain): لتأمين وتتبع الشحنات ومنع التلاعب الجمركي، مما يرفع تصنيف الميناء في مؤشرات الشفافية العالمية.

• الأتمتة الشاملة: استخدام أنظمة إدارة الساحات الذكية (Terminal Operating Systems) التي تقلل زمن بقاء الحاوية (Dwell Time) من أيام إلى ساعات، وهو المعيار الحاسم لجذب الخطوط الملاحية التي تحسب تكلفة "ساعة الانتظار" بآلاف الدولارات.

سادساً: استشراف الأثر الاقتصادي والمستهدفات الاستراتيجية

إن القراءة التحليلية للمؤشرات المرتقبة تكشف عن حجم التحول الهيكلي الذي سيحدثه هذا المشروع في بنية الاقتصاد الوطني. فعلى صعيد الكفاءة اللوجستية، تهدف الرؤية إلى القفز بطاقة مناولة الحاويات السنوية لتتجاوز 5.5 مليون حاوية نمطية بحلول عام 2035، مع اختزال زمن التخليص الجمركي من مستوياتها الحالية إلى أقل من 12 ساعة عبر الأتمتة الشاملة.

أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فمن المتوقع أن يرتفع إسهام قطاع الموانئ والخدمات المرتبطة به في الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى نسبة تتراوح بين 25% إلى 30%. هذا التحول سيخلق قوة دفع هائلة لتوليد الف من فرص العمل النوعية، محولاً عدن من مجرد سوق استهلاكي محلي إلى منصة إنتاجية ومنطقة توزيع إقليمية (Distribution Hub) تخدم العمق الجغرافي للجزيرة العربية وشرق أفريقيا عبر منظومة متكاملة من الموانئ الجافة والممرات اللوجستية المؤمنة.

خاتمة: حتمية التاريخ وضرورة الإرادة

في الختام، إن ميناء عدن بميزاته الطبيعية وتشريعاته المستقبلية المقترحة، لا يسعى لمنافسة النماذج الإقليمية بقدر ما يسعى لتصحيح مسار التجارة العالمية وتخفيض كلفة الإمداد الدولي. إن نجاح النماذج اللوجستية الأخرى يُحترم كإنجاز إداري متميز، ولكن "الأصل الجغرافي" يظل هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في معادلة الاقتصاد الأزرق. إن المنافسة القادمة لن تُحسم بمقدار ما نمتلكه من أرصفة، بل بمقدار ما نوفره للعالم من "وقت، مال، وأمان قانوني". وعدن اليوم تمتلك كافة المقومات لتكون هي المبتدأ والخبر في هذه المعادله العالميه