آخر تحديث :السبت-07 فبراير 2026-06:20ص

العرب الساسة والأنْداد المفرِطون في الخصومة

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 04:04 ص
صلاح الطاهري

بقلم: صلاح الطاهري
- ارشيف الكاتب


في السياسة، لا تُقاس الأمم بحدة خلافاتها، بل بقدرتها على إدارة الخلاف دون أن تحوّله إلى معركة كسر عظم.


غير أن المشهد العربي، في محطات كثيرة من تاريخه الحديث، بدا وكأنه اختار الطريق الأصعب...

طريق الخصومة المفتوحة، حيث يتحول الخلاف من اجتهاد سياسي إلى ثأر دائم، ومن اختلاف رؤى إلى حرب إلغاء.


العرب الساسة الحاليين ــ إلا من رحم ربك ــ لم يكتفوا بأن يكونوا خصوماً، بل أصرّوا على أن يكونوا أنداداً؛ والفرق بين الخصم والندّ، أن الأول ينازعك الرأي، أما الثاني فينازعك الوجود.

هنا تحديداً يبدأ الخراب.


لقد بالغت النخب السياسية العربية المعاصرة في الخصومة حتى فقدت بوصلتها الأخلاقية والوطنية. خصومة لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى تشويه التاريخ، واغتيال الرموز، وكسر مؤسسات الدولة، واستدعاء الخارج ليحسم ما عجز الداخل عن حسمه.

وحين يصل الصراع إلى هذه المرحلة، لا يعود سؤال “من يحكم؟ هو الأهم، بل “ما الذي تبقى ليُحكم أصلاً؟.


في التجربة العربية، غالباً ما يتحول الحاكم إلى خصم أبدي لمعارضيه، وتتحول المعارضة إلى مشروع انتقام مؤجل، لا مشروع حكم بديل. لا أحد يريد شراكة وطنية، ولا أحد يعترف بشرعية الآخر، وكأن السياسة العربية كُتبت بمنطق... إما أنا أو لا أحد.

وهنا، لا تنتصر الأوطان، بل تُستنزف.


الأدهى من ذلك أن الخصومة لم تعد أداة ضغط سياسي، بل أصبحت هوية.

سياسي يُعرّف نفسه بعدائه، لا ببرنامجه. حزب يعيش على شيطنة غيره، لا على خدمة مجتمعه.

إعلام يُدار بمنطق التصعيد الدائم، لأن التهدئة ـ في عرفهم ـ خيانة، والعقلانية ضعف، والبحث عن حلول تراجع.


وحين يتضخم منطق الندية، يصبح كل تنازل هزيمة، وكل حوار انكساراً، وكل تسوية خضوعاً.

عندها تُغلق أبواب السياسة، وتُفتح أبواب الفوضى.

وهذا ما شهدته ومازالت تتذوق وتتجرع مرارته دول عربية عديدة، حين تحولت الخصومة السياسية إلى صراع مسلح، ثم إلى تدخلات إقليمية ودولية، ثم إلى دول معلقة بين الحياة والموت.


ليست المشكلة في الاختلاف، فالاختلاف سنة كونية، بل في الإفراط في الخصومة. في تحويل السياسة إلى ساحة تصفية حسابات، وفي العجز عن الفصل بين الخصم والعدو.

فالأمم الحية تصنع من خلافاتها توازناً، أما الأمم المأزومة فتصنع منها مقابر.


التاريخ لا يرحم.

وهو لا يسجل أسماء من بالغوا في الخصومة، بل يسجل نتائج أفعالهم... دول تفككت، شعوب هاجرت، وأوطان تحولت إلى ملفات على طاولات الآخرين. وعندها، لا يعود للندّ معنى، لأن الجميع خاسر.


لعل المأساة العربية ليست في قلة العقول، بل في غلبة الأحقاد.

وليست في غياب السياسة، بل في سوء استخدامها. فحين يتحول السياسي إلى خصم أبدي، وحين تُدار الدولة بعقلية الندّ، لا تعود السياسة فن الممكن، بل تصبح فن تدمير الممكن.


والسؤال الذي سيظل مطروحاً...

متى يدرك العرب الساسة أن الخصومة إذا تجاوزت حدودها، لا تقتل الخصم فقط، بل تغتال الاوطان؟