لطالما مثّل أهل السنة والجماعة في اليمن – وعبر التاريخ الحديث – الصف الأمامي للدفاع عن الهوية الإسلامية الجامعة للأمة، في مواجهة موجات الاستعمار العسكري والغزو الفكري والمشاريع الأيديولوجية المنحرفة، وقد استند هذا الدور إلى مرجعية راسخة من الكتاب والسنة، واتبع منهج الوسطية والاعتدال الذي تجسّده المدرسة الشافعية والمذاهب السنية الأخرى في اليمن، متمثلاً في حماية عقيدة الأمة ولغتها وقيمها الحضارية. تجلّى هذا عبر مؤسسات علمية عريقة، وحركات إصلاحية ودعوية، وفتاوى رصينة، وصولاً إلى حركات المقاومة المسلحة التي ربطت بوعي عميق بين التحرر السياسي الوطني والحفاظ على المرجعية الإسلامية الأصيلة.
في جنوب اليمن، تقدم المقاومة الجنوبية في حربها ضد المليشيات الحوثية أنموذجًا معاصرًا حيًا لهذا الدور التاريخي؛ حيث تجلّى التلاقي الاستثنائي بين مكونات الهوية السنية الرئيسية: المرجعية الشافعية التقليدية، والتيار السلفي، وبقية التيارات الدينية المنتشرة، والقوى الإسلامية السياسية، في مواجهة مشروع طائفي مسلح مدعوم إقليميًا، يهدد هوية المجتمع الدينية والثقافية وسيادته الوطنية.
ومع تصاعد الخطاب الأيديولوجي الحوثي ذي الطابع المذهبي والتبعية الإقليمية، تعززت مشاعر الرفض في الأوساط السنية، وبرزت قوى دينية وعلمية وشعبية في عدن والمحافظات الجنوبية تربط بين الدفاع عن الأرض والدفاع عن العقيدة والكيان الوطني.
انطلقت المقاومة الجنوبية من قاعدة اجتماعية وسياسية عريضة يغلب عليها الانتماء لأهل السنة والجماعة بتنوعاتهم، فكان الإسلام حاضرًا بقوة في خطاب التعبئة والفتاوى وخطب المساجد، بوصف المعركة جهادًا دفاعيًا ضد مشروع يسعى لفرض ولاية مذهبية وسلطة كهنوتية على المجتمع اليمني.
استطيع القول إن القوى الدينية والسلفية على وجه الخصوص عملت على تحويل هذا الوعي العقدي إلى إرادة جماعية وفعل ميداني؛ حيث ساهم توجيه عدد من الدعاة والعلماء وطلاب العلم بشرعية الدفاع عن الأرض والعقيدة في تحفيز المجتمع ودعم صمود المقاومة الميدانية، مما كان له أثر حاسم في منع سقوط عدن ومحافظات أخرى تحت السيطرة الحوثية.
ولا يمكننا هنا فهم هذا الدور بمعزل عن السياق الأوسع؛ فموقع عدن الاستراتيجي وأهميتها البحرية العالمية تجعل من الصراع عليها محط أطماع إقليمية ودولية.
وهذا يظهر لنا إن الدفاع عن الهوية الإسلامية هنا هو في جوهره دفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة مشروع هيمنة إقليمي (إيراني) يستخدم الآلة الطائفية أداةً للتوسع.
كما أن التجربة التاريخية للجنوب اليمني، من مقاومة الاستعمار البريطاني إلى مواجهة مشاريع الهيمنة المعاصرة، تؤكد أن الإسلام كان دائمًا المحور الأساسي في تشكيل الوعي الجمعي وتنظيم جهود المقاومة، من الجمعيات الإسلامية والنوادي الثقافية القديمة إلى الكيانات الدينية والمقاومة الحالية.
لذلك يمكن النظر إلى المقاومة الجنوبية اليوم بوصفها امتدادًا طبيعيًا ودورًا متجددًا لأهل السنة والجماعة في الدفاع عن الهوية الإسلامية والوجود الوطني؛ حيث يلتقي البُعد العقدي مع البُعد الوطني في معركة مصير واحدة ضد كل محاولات طمس الهوية أو استبدالها بمشروع طائفي تبعي، غريب عن وجدان المجتمع وتركيبته التاريخية.
أرى ألا يتحول هذا الدور التاريخي والجهادي إلى خطاب طائفي منغلق، بل يجب أن يتطور نحو مشروع وطني جامع يحافظ على الهوية الإسلامية الأصيلة كإطار حضاري شامل، ويبني دولة المواطنة التي تتسع للجميع في ظل ثوابت الأمة ومصالح الوطن العليا.
وهكذا يمثل الدفاع عن الهوية في الجنوب اليمني حجر الزاوية ليس فقط في صراع البقاء العقدي والثقافي، بل وفي المعركة الأوسع لإعادة بناء دولة مستقرة وموحَّدة.