عدن الغد - د.خالد عبد الكريم
حكومة جديدة برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الذي احتفظ بحقيبة وزارة الخارجية إلى جانب رئاسته للحكومة، في خطوة تعكس رغبة واضحة في الحفاظ على استمرارية السياسة الخارجية، وربطها مباشرة بإدارة العمل التنفيذي في هذه المرحلة الحساسة.
التشكيلة الحكومية ضمّت تسعة وزراء من الحكومة السابقة، مقابل خمسة وعشرين وزيراً جديداً، مع استثناء وزير الثقافة والسياحة الذي سبق له شغل المنصب، ما يشير إلى توجه عام نحو التجديد، دون القطيعة الكاملة مع الخبرة المتراكمة. وقد جرى اختيار أعضاء الحكومة من الأحزاب السياسية التقليدية الممثلة في الشرعية، في حين احتفظ المجلس الانتقالي الجنوبي بحقائبه الوزارية، لكن بوجوه جديدة، في إطار إعادة تدوير سياسي محسوب يوازن بين الاستقرار والتغيير.
اللافت في هذه الحكومة أن غالبية الوزراء الجدد ينتمون إلى جيل شاب نسبياً، ويحملون خلفيات مهنية وتخصصية واضحة، ويُصنَّفون ضمن إطار التكنوقراط. وهو ما يعزز الانطباع بأن معايير الكفاءة والنزاهة كانت حاضرة بقوة في عملية الاختيار، خصوصاً في عدد من الوزارات الخدمية والمفصلية.
في هذا السياق، برز تعيين شخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة في حقائب حيوية، من بينها وزارة الأشغال العامة والطرق التي أُسندت إلى المهندس حسين العقربي، ووزارة التربية والتعليم التي تولاها الدكتور عادل عبد المجيد، إضافة إلى وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات التي أُسندت إلى الدكتور شادي باصرة، نجل وزير التعليم العالي الأسبق الدكتور صالح باصرة، ووزارة المالية التي تولاها مروان بن غانم، نجل رئيس الوزراء الأسبق فرج بن غانم.
وهي اختيارات تحمل دلالات مزدوجة، تجمع بين التأهيل ال
مهني، والامتداد الرمزي لمدرسة الدولة والإدارة العامة.
تأتي هذه الحكومة في ظرف سياسي مختلف نسبياً عما سبقه، حيث تبدو الشرعية اليوم في موقع قوة يمنح الحكومة الجديدة هامشاً أوسع للحركة، وفرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد السياسي والإداري على أسس وطنية.
الرهان الأساسي على هذه الحكومة لا يقتصر على إدارة الشأن اليومي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة الاعتبار للدولة كمؤسسة جامعة، واستعادة ثقة المواطن، من خلال تحسين مستوى الخدمات، وضمان الحياة الكريمة معيشياً، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ الأمن وسيادة القانون.
وفي البعد الوطني الأشمل، يُنتظر من هذه الحكومة أن تنظم المسار العام نحو هزيمة مليشيات الحوثي، واستعادة العاصمة صنعاء، وإنهاء الانقلاب، بوصف ذلك استحقاقاً وطنياً لا ينفصل عن معركة بناء الدولة نفسها.
إنها حكومة تأتي محملة بالآمال، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات جسيمة. وسيكون معيار النجاح الحقيقي هو القدرة على تحويل هذه اللحظة السياسية المواتية إلى إنجازات ملموسة، تُعيد للدولة حضورها، وللمواطن ثقته، وللشرعية معناها الكامل.
تُطرح إشكالية لافتة في بنية الحكومة الجديدة، تتعلق بالإبقاء على الحقائب الوزارية التي كانت بيد المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم إعلانه حل نفسه ككيان سياسي. وهي معضلة تبدو، للوهلة الأولى، متناقضة مع توصيف المرحلة بالتفوق للشرعية، بعد إزاحة القوى السياسية الموازية المدعومة بالمليشيات والتمويل الخارجي.
لكن قراءة هذه المفارقة لا يمكن أن تتم بمنطق المنتصر والخاسر، بل ضمن سياق مدرسة سياسية براغماتية، تقوم على إدارة التحولات لا كسرها دفعة واحدة. فالشرعية، وهي في موقع قوة، اختارت أن تُترجم هذا التفوق لا عبر الإقصاء الكامل أو التصفيات السياسية، بل من خلال إحتواء البُنى الموازية سياسيًا مع استيعاب تمثيلها التنفيذي بصورة منضبطة.
حل المجلس الانتقالي لنفسه لا يعني بالضرورة زوال الكتل الاجتماعية والسياسية التي مثلها، ولا اختفاء شبكات النفوذ التي راكمها خلال سنوات الصراع. ومن هنا، يمكن فهم الإبقاء على الحقائب لا باعتباره اعترافاً سياسياً بكيان انتهى، بل كآلية انتقالية تهدف إلى منع فراغ سياسي أو أمني في الجنوب، وإلى إعادة دمج هذه القوى داخل إطار الدولة، لا على هامشها أو في مواجهتها.
هذه المقاربة تنتمي إلى ما يمكن تسميته مدرسة الاحتواء من موقع القوة، حيث تُعيد الدولة ترتيب المجال السياسي عبر المؤسسات، لا عبر فرض الغلبة فقط. وهي مدرسة تفترض أن أخطر ما يواجه الدول الخارجة من النزاعات ليس بقاء الخصوم داخل السلطة، بل بقاؤهم خارجها، مسلحين بسرديات المظلومية ومنطق البديل.
غير أن هذه الحكمة السياسية تظل سيفاً ذا حدين. فإذا لم تُدار بوضوح، وبجدول زمني، وبقواعد صارمة تحكم العمل الحكومي، فقد تتحول من أداة احتواء إلى مدخل لإعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. فالإبقاء على الحقائب يجب أن يكون محكوماً بوظيفة الدولة، لا بمنطق التوازنات، وبالالتزام الصريح بمرجعية الشرعية، لا بالولاءات السابقة أو الحسابات المناطقية.
بكلمات أخرى، ما نشهده اليوم هو حكومة مركّبة، تجمع بين التكنوقراط والتمثيل السياسي، وبين الحسم والمرونة، وبين منطق الدولة ومنطق إدارة الانتقال. نجاحها مرهون بقدرتها على تحويل هذا التركيب من تسوية مؤقتة إلى مرحلة عبور حقيقية نحو دولة مكتملة السيادة، وفشلها – لا قدّر الله – سيكون حين تتحول الحكمة السياسية إلى تردد، والاحتواء إلى تعطيل.